وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي والحال أن كل ما فيهما راجع إلى اللّه سبحانه بانقراض العالم كرجوع الميراث إلى الوارث ، ولا يبقى لهم منه شيء ، وهذا أدخل في التوبيخ ، وأكمل في التقريع ، فإن كون تلك الأمور تخرج عن أهلها وتصير للّه سبحانه ، ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها للّه في الحقيقة ، وهم خلفاؤه في التصرف فيها .
ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل اللّه ، وتفاوت درجات المنفقين فقال :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
أي فتح مكة ، وبه قال أكثر المفسرين ، قال قتادة : كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر ، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى ، كان القتال والنفقة من قبل فتح مكة أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك ، وكذا قال مقاتل وغيره ، وقال الشعبي والزهري : فتح الحديبية ، وهو الراجح قاله الكرخي ، وذكر القتال للاستطراد ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، فحذف لظهوره ، ولدلالة ما سيأتي عليه ، فإن الاستواء يكون بين الشيئين ولا يتم إلا بذكر اثنين ، وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعده . لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر ، وهم أقل وأضعف .
وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة ، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال ، وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه أهم مواد الإنفاق ، مع كونه في نفسه من أفضل العبادات .
والجود بالنفس أقصى غاية الجود .
أُولئِكَ
إشارة إلى
( مَنْ )
باعتبار معناه ، وهو مبتدأ وخبره قوله :
أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
أي أرفع منزلة ، وأعلى رتبة ، من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل اللّه من بعد الفتح ، وقاتلوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال عطاء : درجات الجنة تتفاضل ، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها ، قال الزجاج : لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم ، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ .
وقد أرشد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه : « لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » « 1 » وهذا خطاب منه صلّى اللّه عليه وسلّم للمتأخرين صحبة ، كما يرشد إلى ذلك السبب الذي ورد فيه هذا الحديث .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باب 5 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 221 ، 222 ، وأبو داود في السنة باب 10 ، والترمذي في المناقب باب 58 ، وابن ماجة في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 3 / 1 ، 54 ، 6 / 6 .