قال الراغب : والادهان في الأصل مثل التدهين ، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد كما جعل التقريد ، وهو نزع القراد عبارة عن ذلك ، قلت : سميت المداراة والملاينة مداهنة ، وهذا استعارة ومجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية لذا جوّز به هنا من التهاون أيضا لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه ، وقال بعض اللغويين تاركون للحزم في قبول القرآن .
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
في الكلام مضاف محذوف ، كما حكاه الواحدي عن المفسرين ، أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة اللّه فتضعون التكذيب موضع الشكر ، وقال الهيثم : إن أزد شنوءة يقولون : ما رزق فلان ، أي ما شكر وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر ووجه التعبير بالرزق عن الشكر ، أن الشكر يقتضي زيادة الرزق فكون الشكر رزقا تعبيرا بالسبب عن المسبب ، ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم اللّه وأنزل عليهم المطر : سقينا بنوء كذا ، ومطرنا بنوء كذا قال الأزهري : معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم اللّه التكذيب بأنه من عند اللّه الرزاق قرأ علي بن أبي طالب وابن عباس تجعلون شكركم وقرأ الجمهور تكذبون بالتشديد من التكذيب وقرأ بالتخفيف من الكذب .
أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه . عن ابن عباس قال : « مطر الناس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا هذه رحمة وضعها اللّه ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، فنزلت هذه الآية :
فَلا أُقْسِمُ
إلى قوله
تُكَذِّبُونَ
« 1 » ، وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني .
ومن حديث أبي سعيد الخدري ، وعن علي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية قال : « شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ، وبنجم كذا وكذا » « 2 » ، أخرجه أحمد والترمذي والضياء في المختارة ، وغيرهم وفي الباب أحاديث .
وعن عائشة قالت : « ما فسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن إلا آيات يسيرة تجعلون رزقكم قال : شكركم » رواه ابن عساكر .
وعن علي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ : « وتجعلون شكركم » أخرجه ابن مردويه .
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت ، ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى عندهم إذا جاؤوا بمثل هذه العبارة والحلقوم ممر الطعام والشراب .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 126 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 56 ، باب 4 ، وأحمد في المسند 1 / 89 ، 108 ، 131 .