الترمذي موقوفا وقال : هو أصح
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن نعمة كلها لا يتيسر تكذيب شيء منها كائنة ما كانت ، فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة ؟
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
هل ترد في الكلام على أربعة أوجه تكون بمعنى قد كقوله :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[ الإنسان : 1 ] ؟ وبمعنى الاستفهام كقوله :
فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا
[ الأعراف : 44 ] ؟ وبمعنى الأمر كقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ المائدة : 91 ] ؟ وبمعنى الجحد كقوله :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ النحل : 35 ] ؛ وكما في هذه الآية ، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، والمعنى ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة ، كذا قال ابن زيد وغيره ، وقال الصادق : هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد ، قال الرازي : في هذه الآية وجوه كثيرة ، حتى قيل إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول ، إحداها قوله تعالى
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] ، وثانيها وإن عدتم عدنا ، وثالثها
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ .
قال محمد ابن الحنفية هي للبر والفاجر ، البر في الآخرة والفاجر في الدنيا .
عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية : « ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة » أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وضعفه وأخرج البغوي في تفسيره وغيره في غيره عن أنس مرفوعا مثله ، وعن جابر مرفوعا في الآية قال : هل جزاء من أنعمنا عليه بالإسلام ، إلا أن أدخله الجنة وأخرج ابن النجار عن علي مرفوعا مثل حديث ابن عمر .
وقال ابن عباس : هل جزاء من قال لا إله إلا اللّه في الدنيا إلا الجنة في الآخرة وعنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنزل اللّه على هذه الآية في سورة الرحمن للكافر والمسلم ،
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ »
أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي والبيهقي ، وأخرجه ابن مردويه موقوفا على ابن عباس ، وقال إبراهيم الخواص في الآية : هل جزاء الإسلام إلا دار الإسلام ؟ وفي الآية إشارة إلى رفع التكليف في الآخرة لأن اللّه وعد المؤمن بالإحسان وهو الجنة ، فلو بقي التكليف في الآخرة وتركه العبد لاستحق العقاب على ترك العمل ، والعقاب ترك الإحسان إليه ، فلا تكليف .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة ، بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح ، والزجر عن العمل الذي لا يرضاه .
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
أي من دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة ، جنتان أخريان لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة ، ومعنى من دونهما أي أمامهما ، ومن قبلهما أي هما أقرب منهما وأدنى إلى العرش فهما