تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل ، بل كان جلوسه للأكل مستوفزا مقعيا غير متربع ، ولا متمكن ، وليس المراد الميل على شق كما يظنه عوام الطلبة ، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب ، المتنعم البدن ، بخلاف المريض والمهموم ، وانتصابه على الحال من فاعل قوله :
وَلِمَنْ خافَ
[ الرحمن : 46 ] ، وإنما جمع حملا على معنى من ، وقيل : منصوب على المدح ، وقيل : عاملها محذوف والتقدير يتنعمون متكئين أي مضطجعين أو متربعين .
عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
والفرش جمع فراش ، والبطائن هي التي تحت الظهائر ، وهي جمع بطانة ، قال الزجاج : هي ما يلي الأرض ، والإستبرق ما غلظ من الديباج ، وإذا كانت البطائن من إستبرق فكيف تكون الظهائر ؟ قيل لسعيد بن جبير البطائن من إستبرق فما الظواهر ؟ قال : هذا مما قال اللّه فيه فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ، وبه قال ابن عباس قيل : إنما اقتصر على ذكر البطائن لأنه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما في الظهائر ، وقال الحسن : بطائنها من إستبرق ، وظواهرها من نور جامد وقال الحسن أيضا البطائن هي الظهائر ، وبه قال الفراء ؛ وقال : قد تكون البطانة الظهارة ، والظهارة البطانة ، لأن كل واحد منهما يكون وجها ، والعرب تقول : هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه ، وأنكر ابن قتيبة هذا وقال : لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه في الآية : أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر ؟ وقيل : ظهائرها من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم وهذا يدل على نهاية شرف هذه الفرش لأنه ذكر أن بطائنها من الإستبرق ، ولا بد أن تكون الظهائر خيرا من البطائن فهو مما لا يعلمه البشر .
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
مبتدأ وخبر و
دانٍ
أصله دانوا ، مثل غاز فأعل إعلاله وجنى فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض ، والجني ما يجتنى من الثمار ، قيل : إن الشجرة تدنو حتى يجتنيها من يريد جناها ، قال ابن عباس : جناها ثمرها ، والداني القريب منك أي يناله القائم والقاعد والمتكىء والنائم وهذا بخلاف ثمر الدنيا ، فإنها لا تنال إلا بكد وتعب ، وقيل : لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك ، قال الرازي : جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة عن الإنسان المتكىء : وفي الجنة يتكئ والثمرة تتدلى إليه . وثانيهما : أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها ، وفي الآخرة تدنو منه ؛ وتدور عليه .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 512 | صديق الحسيني القنوجي البخاري