وثالثها : أن الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها ، وثمار الجنة كلها تدنو إليه في وقت واحد ، ومكان واحد .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإنها كلها بموضع لا يتيسر لمكذب ؛ أن يكذب بشيء منها ، لما يشتمل عليه من الفوائد العاجلة والآجلة .
فِيهِنَّ
أي في الجنتين المذكورتين ، لأن أقل الجمع اثنان أو لاشتمالهما على أماكن وعلالي وقصور ومجالس ، قال الزجاج : وإنما قال
فِيهِنَّ
لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما فيهما من النعيم ، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجني وقيل :
فِيهِنَّ
أي في الفراش التي بطائنها من إستبرق قال أبو حيان : وفيه بعد ، لأن الاستعمال أن يقال على الفرش كذا ولا يقال في الفراش كذا إلا بتكلف . ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول ذلك ، وقال الفراء : كل موضع في الجنة جنة فلذلك صح أن يقال فيهن .
قاصِراتُ الطَّرْفِ
من إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تخفيفا إذ يقال قصر طرفه على كذا ، وحذف متعلق القصر للعلم به ، أي : إنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يرين سواهم والآية دلت على الحياء لأن الطرف حركة الجفن ، والحبيبة لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها وقد تقدم هذا في سورة الصافات قال ابن عباس : قاصرات الطرف عن غير أزواجهن قال الرازي : وانظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه بين أولا المسكن وهو الجنة ، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان والعيون الجارية ، ثم ذكر المأكول ، ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل ، وهو الفراش ، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه ، ولما كان الاختصاص بالشيء من أعظم الملذذات قال :
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
الضمير راجع إلى الأزواج المدلول عليهم بقاصرات الطرف ، وقيل : يعود إلى المتكئين ، والجملة نعت لقاصرات لأن إضافتها لفظية ، كقوله :
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
[ الأحقاف : 24 ] أو حال لتخصص النكرة بالإضافة قال الفراء : الطمث الافتضاض ، وهو النكاح بالتدمية ، يقال : طمث الجارية إذا افترعها ، وقيل : الطمث المس ، أي : لم يمسسهن ، قاله أبو عمرو وقال المبرد : أي لم يذللهن ، والطمث التدليل ، ومن استعمال الطمث فيما ذكره الفراء قول الفرزدق :
دفعن إليّ ولم يطمثن قبلي * وهن أصح من بيض النعام « 1 »
هامش
( 1 ) يروى صدر البيت :وقعن إليّ لم يطمثن قبليوالبيت من الوافر ، وهو للفرزدق في ديوانه ص 836 ، ولسان العرب ( طمث ) ، وتهذيب اللغة 13 / 316 ، وتاج العروس ( طمث ) ، وأساس البلاغة ( طمث ) .