ومن كل أفنان اللذاذة والصبا * لهوت به والعيش أخضر ناضر
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن كل واحد منها ليس بمحل للتكذيب ولا بموضع للإنكار
فِيهِما
أي في كل واحدة منهما
عَيْنانِ تَجْرِيانِ
حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل ، وهذا أيضا صفة أخرى للجنتين قال الحسن : إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم ، وقال عطية : إحداهما من ماء غير آسن ، والأخرى من خمر لذة للشاربين ، قيل : كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافا مضاعفة ، حصاهما الياقوت الأحمر ، والزبرجد الأخضر ، وترابهما الكافور وحمأتهما المسك الأذفر وحافتاهما الزعفران .
وقال أبو بكر الوراق : تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة اللّه عزّ وجلّ ، فتجريان في كل مكان شاء صاحبهما ، وإن علا مكانه ، كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها ، وإن زاد علوها
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن من جملتها هذه النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة .
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 52 إلى 63 ]
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ( 52 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 53 ) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 55 ) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 59 ) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ ( 60 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 61 )
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ( 62 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 63 )
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ
هذا صفة ثالثة ل
( جَنَّتانِ )
والزوجان الصنفان والنوعان ، والمعنى أن في الجنتين من كل نوع يتفكه به في الدنيا ضربين ، يستلذ بكل نوع من أنواعه ، قيل : أحد الصنفين رطب ، والآخر يابس ، لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب ، وقيل : صنفان صنف معروف ، وصنف غريب ، قيل : ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن في مجرد تعداد هذه النعم ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير ، والترهيب عن فعل الشر ما لا يخفى على من يفهم ، وذلك نعمة عظمى ، ومنه كبرى ، فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه ؟
مُتَّكِئِينَ
قال في القاموس . توكأ عليه تحامل واعتمد ، واتكأ جعل له متكأ .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما أنا فلا آكل متكأ » « 1 » ، أي جالسا جلوس المتمكن المتربع
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأطعمة باب 13 ، وأبو داود في الأطعمة باب 16 ، والترمذي في الأطعمة باب 28 ، وابن ماجة في الأطعمة باب 6 ، والدارمي في الأطعمة باب 31 ، وأحمد في المسند 4 / 308 ، 309 .