قوله :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ المطففين : 6 ] وقيل : المعنى خاف قيام ربه عليه وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله ، كما في قوله :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] ، أو قيام الخائف عند ربه للحساب ، ومحصله احتمالات ثلاثة في تفسير المقام ، أولها أنه اسم مكان ، والثاني أنه مصدر تحته احتمالان ، إما بمعنى قيام اللّه على الخلائق ، أو بمعنى قيام الخلائق بين يديه ، قال مجاهد والنخعي : هو الرجل الذي يهم بالمعصية فيذكر اللّه فيدعها من خوفه وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشئ عنه ترك المعاصي .
جَنَّتانِ
اختلف فيهما فقال مقاتل : يعني جنة عدن وجنة النعيم ، وقيل :
إحداهما التي خلقت له ، والأخرى ورثها ، وقيل : إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه ، وقيل : إحداهما أسافل القصور . والأخرى أعاليها ، وقيل : جنة لفعل الطاعة ، وأخرى لترك المعصية ، وقيل : جنة للعقيدة التي يعتقدها وجنة للعمل الذي يعمله ، وقيل : جنة بالعمل وجنة بالتفضل ، وقيل : جنة روحانية ، وجنة جسمانية .
وقيل : جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته وقال الفراء : إنما هي جنة واحدة والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي ، قال النحاس : وهذا من أعظم الغلط على كتاب اللّه ، فإن اللّه يقول جنتان ويصفهما بقوله فيهما فيهما الخ وقيل إنما كانتا اثنتين ليتضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة .
قال ابن عباس : وعد اللّه المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنتين ، وعنه أيضا يقول : خاف ثم اتقى ، والخائف من ركب طاعة اللّه وترك معصيته ، وعن عطاء أنها نزلت في أبي بكر ، وعن ابن شوذب مثله وقال ابن مسعود في الآية : لمن خافه في الدنيا .
وعن أبي الدرداء « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
فقلت : وإن زنى وإن سرق يا رسول اللّه ؟ فقال : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الثانية :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ،
فقلت : وإن زنى وإن سرق ؟ فقال الثالثة :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ،
فقلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء » « 1 » أخرجه أحمد والترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى والطبراني وغيرهما .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
فقال أبو الدرداء : وإن زنى وإن سرق يا رسول اللّه قال : وإن زنى وإن سرق ، وإن رغم أنف أبي الدرداء » أخرجه ابن مردويه وعن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء في الآية قال : قيل لأبي الدرداء : « وإن زنى وإن سرق ، قال : من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق » .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الإيمان باب 18 ، وأحمد في المسند 6 / 166 ، 442 .