يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ
هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال والسيما العلامة ، قال الحسن : سيماهم سواد الوجوه ، وزرقة الأعين ، كما في قوله :
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
[ طه : 102 ] ، وقال :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
[ آل عمران : 106 ] وقيل سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة .
فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ
قال أبو حيان : يؤخذ متعد ومع ذلك تعدى بالباء لأنه ضمن معنى يسحب ، قلت : يسحب إنما يتعدى بعلى قال تعالى :
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
[ القمر : 48 ] فكان ينبغي أن يقال ضمن معنى يدفع أي يدفعون ، وقال مكي : إنما يقال ؛ أخذت الناصية وأخذت بها ولو قلت أخذت الدابة بالناصية لم يجز ، وحكي عن العرب أخذت الخطام ، وأخذت بالخطام بمعنى قاله الكرخي ، والنواصي شعور مقدم الرأس والمعنى أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي وتلقيهم الملائكة في النار ، وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره ، وقيل : تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بنواصيهم ، وتجرهم على وجوههم ، وتارة تأخذ بأقدامهم وتجرهم على رؤوسهم .
قال ابن عباس : تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه ، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد ، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب ، وتضطرب لهوله الأحشاء .
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا يقال لهم عند الأخذ بالنواصي والأقدام ؟ فقيل : يقال لهم تقريعا وتوبيخا هذه جهنم التي تشاهدونها ، وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون .
يَطُوفُونَ
أي يترددون ويسعون
بَيْنَها
أي بين جهنم فتحرقهم
وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
فيصيب وجوههم فيحرقون بها ، فيستغيثون منها فيسعى بهم إلى الحميم والحميم الماء الحار ، والآن الذي قد انتهى حره ، وبلغ غايته ، كذا قال الفراء وقال الزجاج :
أنى يأني أنى فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة وقال ابن عباس : هو الذي انتهى حره وقيل : هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فيغمسون فيه بأغلالهم حتى تنخلع أوصالهم قال قتادة : يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير ، والترهيب عن الشر ،
ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ، ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم فقال :
وَلِمَنْ خافَ
أي لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم والأول هو المعتمد
مَقامَ رَبِّهِ
مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب كما في