تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
والإنس ، ولا يقال : إن هذه الآية إلى قوله :
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
[ الرحمن : 44 ] ، ليست نعما فكيف قال عقب كل منهما
فَبِأَيِّ آلاءِ ، *
الآية ؟ والجواب أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي . وترغيب في الطاعات ، وهذا من أعظم المنن ، وقيل : وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت ، سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب ، قال يحيى بن معاذ : حبذا الموت ، فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب ، وقيل : جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب ، وقال مقاتل : وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ، ومع الموت تستوي الأقدام .
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده ، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا ، وقيل : المعنى وتبقى حجته التي يتقرب بها إليه والأول أولى ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لكل من يصلح له ، وخاطب الاثنين في قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما ،
وخاطب هنا الواحد لأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد ، فقال : ويبقى وجه ربك أيها السامع ، ليعلم كل أحد أن غيره فان ، فلو قال : ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب عن الفناء ، ولم يقل ويبقى وجه الرب من غير خطاب مع أنه أدل على فناء الكل ، لأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر ، والموضوع موضع بيان اللطف وتعديد النعم ، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب .
ذُو الْجَلالِ
أي ذو العظمة والكبرياء ، واستحقاق صفات المدح ، يقال : جل الشيء أي عظم ، وأجللته أي أعظمته وهو اسم من جل ، قرأ الجمهور ذو على أنه صفة لوجه وقرىء ذي على أنه صفة لرب .
وَالْإِكْرامِ
معناه أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به وقيل : إنه ذو الإكرام لأوليائه ، ففي وصفه بذلك بعد ذكر فناء الخلق ، وبقائه تعالى إيذان بأنه تعالى يفيض عليهم بعد فنائهم آثار لطفه وكرمه حسبما ينبئ عنه قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ ،
فإن إحياءهم بالحياة الأبدية وإثابتهم بالنعيم المقيم من أجل النعم وأعظم الآلاء . وعن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألظوا بياذا الجلال والإكرام » « 1 » أخرجه الترمذي ، وقال الحاكم : حديث صحيح الإسناد ومعنى ألظوا ألزموا هذه الدعوة وأكثروا منها .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
أبتلك النعم ؟ من بقاء الرب . وفناء الكل والحياة الدائمة ؛ والنعيم المقيم أم بغيرها ؟ ومما قلت في معنى الآية :
تفنى السقاة وتفنى الكأس والنادي * ومن تلاقيه من خل ومن عادي
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 91 ، وأحمد في المسند 4 / 177 .