تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
القاهرون فلا يكونون تحت أمر ولا نهي ويفعلون ما يشاؤون وقرىء بالسين من سيطر عليه إذا راقبه وحفظه وقهره ، ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ ، أربعة صفة اسم فاعل مهيمن ومبيقر ومسيطر ومبيطر ، وواحد اسم جبل ، وهو المحيمر ، قال في الصحاح : المصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه . وبتعهد أحواله ويكتب عمله . وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر . أي أهم الحفظة ؟ قال أبو عبيدة : سطرت على أي اتخذتني خولا لك قرىء المصيطرون بالصاد الخالصة ، وبصاد مشمّة زايا .
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ
أي بل أيقولون : أن لهم سلما ومرقى منصوبا إلى السماء يصعدون به ، ويستمعون فيه كلام الملائكة ، وما يوحى إليهم ، ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق الوحي ؟ حتى تمكنهم منازعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بزعمهم ، وهذا الزعم منهم على سبيل الفرض والتقدير ، ولم يقع منهم بالفعل لأنهم لما كانوا على حالة المعاندة والمعارضة كأنهم ادعوا ذلك ؛ وقيل في بمعنى على أي يستمعون عليه كقوله :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
[ طه : 71 ] قاله الأخفش ، وقال أبو عبيدة : يستمعون به وقال الزجاج : المعنى أنهم كجبريل الذي يأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالوحي ، وقيل : أي صاعدين فيه .
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ
إن ادعى ذلك
بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي بحجة ظاهرة واضحة بينة
أَمْ لَهُ الْبَناتُ
أي بل أتقولون : للّه البنات ؟
وَلَكُمُ الْبَنُونَ
سفه سبحانه أحلامهم ، وضلل عقولهم ، ووبخهم ، أي أيضيفون إلى اللّه البنات ؟ وهي أضعف الصنفين ، ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل ، فلا يستبعد منه إنكار البعث ، وجحد التوحيد ، ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً
أي بل أتسألهم أجرا يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة ؟
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ
أي من التزام غرامة تطلبها منهم
مُثْقَلُونَ
أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل ومتعبون ومغتمون ، من أثقله الحمل أتعبه لكن هذا الثقل معنوي لأن العادة أن من غرم إنسانا ما لا يصير الغارم مغتما منه وكارها له فلا يسمع قوله ، ولا يمتثله ، قال قتادة : يقول هل سألت هؤلاء القوم أجرا فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام .
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ
أي بل أيدعون أن عندهم الغيب وهو ما في اللوح المحفوظ ، المثبت فيه المغيبات ، فالغيب بمعنى الغائب ، والألف واللام في الغيب بمعنى النوع لا للعهد : ولا لتعريف الجنس ، فالمراد نوع الغيب ، وهذا الزعم فرضي إذ لم يقع منهم بالفعل ، لكنهم على حالة من المكابرة والمعارضة بحيث ينسب إليهم هذا الزعم ، قال قتادة : هذا جواب لقولهم :
نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
[ الطور : 30 ]