وهذه الإضرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام ، كما هو مدلول أم المنقطعة ، تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدمها ، وأكثر جرأة وعنادا .
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ
أي اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب ، وإن كان أصله تكلف القول ، ومنه اقتال عليه . ويقال : اقتال عليه بمعنى تحكم عليه ، ثم أضرب سبحانه عن قوله تقوله وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال :
بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
أي سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفارا لا يؤمنون ولا يصدقون ما جاء به رسوله استكبارا ،
ثم تحداهم سبحانه وألزمهم الحجة فقال :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ
مختلق مفتعل
مِثْلِهِ
أي مثل القرآن في نظمه ، وحسن بيانه ، وبديع أسلوبه ، قال الرازي : والظاهر أن الأمر ههنا على حقيقته ، لأنه لم يقل فليأتوا مطلقا بل قال :
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
فيما زعموا من قولهم : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم تقوّله من عند نفسه ، وجاء به من جهته ، فهو أمر معلق على شرط ، إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به ، مع أنه كلام عربي وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم ، والممارسون بجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر .
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أم هي المنقطعة كما تقدم فيما قبلها ، وكما سيأتي فيما بعدها ، أي بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة : والصنعة العجيبة من غير خالق لهم ؟ قال الزجاج : أي اخلقوا باطلا لغير شيء ؟ لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون ؟
وجعل من بمعنى اللام . قال ابن كيسان : أم خلقوا عبثا وتركوا سدى ؟ لا يؤمرون ولا ينهون ؟ وقيل : المعنى أم خلقوا من غير أب ولا أم ؟ فهم كالجماد لا يفهمون ولا تقوم عليهم حجة ؟
أَمْ
أي بل أيقولون :
هُمُ الْخالِقُونَ
لأنفسهم فلا يؤمرون ولا ينهون ، مع أنهم يقرون أن اللّه خالقهم ، وإذا أقروا لزمتهم الحجة ، قال الجلال المحلي : ولا يعقل مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق فلا بد لهم من خالق هو اللّه الواحد ، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه .
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وهم لا يدعون ذلك فلزمتهم الحجة ولهذا أضرب عن هذا وقال :
بَلْ لا يُوقِنُونَ
أي ليسوا على يقين من الأمر ، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد اللّه ووعيده ، وإلا لآمنوا بنبيه وهذا فيه مزيد تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يعني انهم كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ
أي خزائن أرزاق العباد وقيل : مفاتيح الرحمة قال مقاتل : يقول بأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة ، فيضعونها حيث شاؤوا ، وكذا قال عكرمة ، وقال الكلبي : خزائن المطر والرزق ، وقيل : مقدوراته وضرب المثل بالخزائن لأن الخزائن بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس ، فلا نهاية لها .
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
أي المسلطون الغالبون القاهرون الجبارون وقيل : الأرباب