نَتَرَبَّصُ بِهِ
بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين ، وقرىء على البناء للمفعول نعت لشاعر ، وقد كانت العرب تتحرز عن أذية الشاعر ، فقالوا : لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما نتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء
رَيْبَ الْمَنُونِ
أي صروف الدهر وحوادثه ، والمعنى ننتظر به حوادث الأيام ، فيموت كما مات غيره ، أو يهلك كما هلك من قبله ، والمنون يكون بمعنى الدهر ، ويكون بمعنى المنية لأنها تنقص العدد ، وتقطع المدد ، وسمي الدهر منونا لأنه يقطع الأجل ، وإطلاق الريب على الحوادث استعارة تصريحية شبهت بالريب ، أي الشك ، لأنها لا تدوم ولا تبق على حال ، كما أنه كذلك ، قال الأخفش : المعنى نتربص إلى ريب المنون ، فحذف حرف الجر ، كما تقول : قصدت زيدا أي إلى زيد ، قال الأصمعي : المنون واحد لا جمع له ، قال الفراء : يكون واحدا وجمعا ، وقال الأخفش : جمع لا واحد له .
قال ابن عباس : إن قريشا لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال قائل : منهم : احبسوه في وثاق ، وتربصوا به المنون حتى يهلك ، كما هلك من قبله من الشعراء ، زهير والنابغة ، إنما هو كأحدهم ، فأنزل اللّه في ذلك هذه الآية . وقال ابن عباس : ريب المنون الموت ، ثم أمره اللّه سبحانه أن يجيب عنهم فقال :
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 31 إلى 41 ]
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 32 ) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 )
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 ) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 )
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 )
قُلْ تَرَبَّصُوا
أي انتظروا موتي أو هلاكي ، أمر تهديد لا إيجاب ، أو ندب أو إباحة لأن تربصهم هلاكه حرام لا محالة
فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
لموتكم أو هلاككم .
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا
أي بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض ؟ فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء ، ودقة النظر . والمجنون هو ذاهب العقل ، مغطى على فهمه ، فضلا عن أن تكون له فطنة وذكاء ، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل ، ولا يتأتى ذلك من المجنون قال الواحدي : قال المفسرون : كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرى اللّه بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل ، وفي القاموس ، الحلم بالكسر الأناة والعقل ، والجمع أحلام وحلوم ، فأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه .
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
أي بل طغوا وجاوزوا الحد في العناد فقالوا ما قالوا ،