تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ
أي يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام والنحف وغير ذلك ، مماليك لهم ، وقيل : أولادهم ، قال الكرخي : لم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في الدنيا أن يكون خادما له في الجنة ، فيحزن بكونه لا يزال تابعا ، وقيل : إنهم من أخدمهم اللّه تعالى إياهم من أولاد غيرهم ، وقيل : هم غلمان خلقوا في الجنة قال الكلبي : لا يكبرون أبدا ، وقيل هم أولاد المشركين ، وهم خدم أهل الجنة ، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة ، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية التنعم .
كَأَنَّهُمْ
في الحسن واللطافة والبهاء من بياضهم وصفائهم
لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
أي مستور مصون في الصدف ، لم تمسه الأيدي ، لأنه ما دام رطبا أحسن وأصفى ، أو محزون لأنه لا يحزن إلا الثمين الغالي القيمة ، قال الكسائي : كننت الشيء سترته وصنته من الشمس ، وأكننته جعلته في الكن ، ومنه كننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
أي يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن حاله ، وما كان فيه من تعب الدنيا ، وخوف العاقبة ، فيحمدون اللّه الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم ، وما كانوا فيه من الكد والنكد ، بطلب المعاش وتحصيل ما لا بد منه من الرزق ، وما وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة وقيل : يقول بعضهم لبعض : بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة ؟ وقيل : إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور ، والأول أولى ، لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة . أخرج البزار ، عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان ، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكىء ذا ويتكئ ذا فيتحدثان بما كانوا في الدنيا ، فيقول أحدهما : يا فلان تدري أي يوم غفر اللّه لنا ، يوم كنا في موضع كذا وكذا ، فدعونا اللّه فعفو لنا » .
قالُوا
مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل ؟ فقيل : قالوا إيماء إلى علة الوصول لما هم فيه من النعيم ومحط العلة قوله الآتي :
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ
أي : من قبل الآخرة ، وذلك في الدنيا
فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ
أي خائفين وجلين من عذاب اللّه ، أو كنا خائفين من عصيان اللّه أو من نزع الإيمان وفوت الأمان ، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئآت ، والمقصود إثبات خوفهم في سائر الأوقات ، والأحوال بطريق الأولى ، فإن كونهم بين أهليهم مظنة الأمن ، فإذا خافوا في تلك الحال ، فلأن يخافوا دونها أولى ، ولعل الأولى أن يجعل إشارة إلى معنى الشفقة على خلق اللّه ، كما أن قوله الآتي
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ،
إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه .