تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول ، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف ، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها ، دع الأسماع والأبصار ، والأطراف ، وسائر الجوارح ، وتأتيها لما خلقت له ، وما سوى ذلك في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني ، فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز ، وإذا استرخى أناخ الذل
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] . وقيل يريد اختلاف الألسن والصور والألوان والطبائع ، وقيل يريد سبيلي الغائط والبول ، يأكل ويسرب ، من مدخل واحد ، ويخرج من سبيلين ، وقيل المراد بالأنفس الأرواح ، أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات ، ولا وجه لتخصيص شيء دون شيء ، بل اللفظ أوسع من ذلك .
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
أي : تنظرون بعين البصيرة والعبرة الأرض وما فيها ، والأنفس وما فيها ، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المنفرد بالألوهية ، وأنه لا شرك له ولا ضد ، ولا ند ، وأن وعده الحق ، وقوله الحق ، وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه ، ولا شبهة تعتريه .
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
أي سبب رزقكم وهو المطر فإنه سبب الأرزاق قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج وقيل : المراد بالسماء السحاب أي وفي السحاب رزقكم وقيل : المراد بالسماء المطر وسماه سماء لأنه ينزل من جهتها وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم قال : ونظيره
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] وهو بعيد وقال سفيان الثوري : أي عند اللّه في السماء رزقكم وقيل المعنى وفي السماء تقدير رزقكم قرأ الجمهور بالإفراد ، وقرىء أرزاقكم بالجمع .
وَما تُوعَدُونَ
من الجنة والنار قاله مجاهد ، وقال عطاء : من الثواب والعقاب وقال الكلبي : من الخير والشر ، وقال ابن سيرين : ما توعدون من أمر الساعة وبه قال الربيع ، والأولى الحمل على ما هو الأعم من هذه الأقوال فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء والقضاء والقدر ينزل منها والجنة والنار فيها ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ
أي إن ما أخبركم به في هذه الآيات
لَحَقٌّ
وقال الزجاج : هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات ، قال الكلبي : يعني ما قص في الكتاب ، وقال مقاتل : يعني من أمر الساعة وقيل إن
ما
في قوله :
وَما تُوعَدُونَ
مبتدأ وخبره فو رب السماء الخ ، فيكون الضمير لما ثم قال سبحانه :
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
أي كمثل نطقكم وما زائدة كذا قال بعض الكوفيين وقال الزجاج والفراء :
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 416 | صديق الحسيني القنوجي البخاري