تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
الأنباري ، وهو أضعف مما قبله وقال قتادة في تفسير هذه الآية : كانوا يصلون بين العشاءين وبه قال أبو العالية وابن وهب ، قال ابن عباس : ما تأتي عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا ، إلا يصلون فيها ، وعنه قال : يقول : قليلا ما كانوا ينامون ، وعن أنس قال : كانوا يصلون بين المغرب والعشاء .
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
أي يطلبون في أوقات السحر من اللّه سبحانه أن يغفر ذنوبهم ، قال الحسن : مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار ، وقال الكلبي ومقاتل ومجاهد : هم بالأسحار يصلون ، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة ، وقال الضحاك : هي صلاة الفجر ، قال ابن عمر : يستغفرون يصلون ، قال ابن زيد : السحر السدس الأخير من الليل والمعنى يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ، ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم باللّه تعالى ، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره ، وإن اجتهدوا سيد الخلق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : لا أحصي ثناء عليك ، وقيل : يستغفرون من تقصيرهم في العبادة ، وقيل : من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال :
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
أي يجعلون في أموالهم ويوجبون على أنفسهم ، حقا للسائل والمحروم ، تقربا إلى اللّه عز وجل بمقتضى الكرم يصلون بها الأرحام والفقراء والمساكين ، وقال محمد بن سيرين وقتادة : الحق هنا الزكاة المفروضة والأول أولى ، فتحمل على صدقة النفل وصلة الرحم وقري الضيف لأن السورة مكية والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة وسيأتي في سورة
سَأَلَ سائِلٌ
[ المعارج : 1 ] و
فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
بزيادة معلوم والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته ، واختلف في تفسير المحروم فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنيا ، فلا يتصدقون عليه ، وبه قال قتادة والزهري ، وقال الحسن ومحمد ابن الحنفية : هو الذي لا سهم له في الغنيمة ، ولا يجري عليه من الفيء شيء ، وقال زيد بن أسلم : هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته . وقال القرظي : هو الذي أصيب بجائحة ، وقيل : الذي لا يكتسب ، وقيل : هو الذي لا يجد غني يغنيه ، وقيل : هو المملوك ، وقيل : الكلب ، وقيل غير ذلك ، قال الشعبي : لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم ، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي . والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع ، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته ، ومن حرم العطاء ، ومن حرم الصدقة لتعففه ، وأظهر هذه الأقوال أنه المتعفف لأنه قرنه بالسائل ، والمتعفف لا يسأل ، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل ، وإنما يفطن له متيقظ ، قال ابن عباس : في أموالهم حق سوى الزكاة ،
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 414 | صديق الحسيني القنوجي البخاري