يصل بها رحما ويقري بها ضيفا ، أو يعين بها محروما ، وعنه قال : السائل الذي يسأل الناس ، والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين ، وعنه قال : المحروم وهو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه ، ولا يسأل الناس ، فأمر اللّه المؤمنين برفده .
وعن عائشة في الآية قالت : هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه .
وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه ، عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي عن هذه الآية قال : إن في المال حقا سوى الزكاة ، وتلا هذه الآية :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
[ البقرة : 177 ] إلى قوله :
وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ
[ البقرة : 177 ] » .
ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده ، ووعده ووعيده ، فقال :
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ
أي دلائل واضحة ، وعلامات ظاهرة ، من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار ، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة ، المكذبة لما جاءت به رسل اللّه ، ودعتهم إليه ، وهي مدحوة كالبساط لما فوقها ، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها ، وهي مجزأة فمن سهل ومن جبل صلبة ورخوة وعذبة وسبخة ، وفيها معادن مفتتة ، ودواب منبثة ، مختلفة الصورة والأشكال متباينة الهيئآت والأفعال إلى غير ذلك من بدائع صنعه وصنائع قدرته وحكمته وتدبيره .
لِلْمُوقِنِينَ
أي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني ، الموصل إلى المعرفة ، فهم نظارون ، بعيون باصرة ، وأفهام نافذة ، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأويلها ، فازدادوا إيقانا على إيقانهم ، وخص الموقنين باللّه لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به .
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 21 إلى 33 ]
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 )
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 )
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 )
وَفِي أَنْفُسِكُمْ
في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ، آيات تدل على توحيد اللّه وصدق ما جاءت به الرسل ، فإنه خلقهم نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما ، إلى أن ينفخ فيهم الروح ، ثم تختلف بعد ذلك صورهم ، وألوانهم ، وطبائعهم ، وألسنتهم ، ثم نفس خلقهم على هذه الصورة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس ، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطرة