بعض النحاة يجيز حذف تنوينها ، وبناءها على الضم كالغايات ، كقبل وبعد ، فاللام في الرسل يكون للعهد كما سبق أو للجنس ، أي كل طائفة من هذه الطوائف كذبت جميع الرسل ، لأن من كذب رسولا فكأنه كذب جميعهم ، وإفراد الضمير في كذب باعتبار لفظ كل ، وفي هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه قيل له : لا تحزن ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك ، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء ، فإن قومهم كذبوهم ولم يصدقهم إلا القليل منهم ، والمراد بالكلية هنا التكثير ، كما في قوله تعالى :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل : 23 ] فهي باعتبار الأغلب .
فَحَقَّ وَعِيدِ
حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلا عليها أي : وجب عليهم وعيدي ، وحقت عليهم كلمة العذاب ، وحل بهم ما قدره اللّه عليهم من الخسف والمسخ ، والإهلاك بالأنواع التي أنزلها اللّه بهم من عذابه .
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم ، أي : أفعجزنا بالخلق حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا ؟ فكيف نعجز عن بعثهم ؟ يقال : عييت بالأمر إذا عجزت عنه ، ولم تعرف وجهه ، قال ابن عباس : يقول لم يعينا الخلق الأول ، قال الكازروني : معناه لم نعجز عن الإبداء فلا نعجز عن الإعادة ، قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة وقرىء بتشديد الياء من غير إشباع ، ثم ذكر سبحانه أنهم في شك من البعث فقال :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
أي في شك وشبهة وحيرة واختلاط من خلق مستأنف ، وهو بعث الأموات ، لما فيه من مخالفة العادة ، وتنكير خلق لتفخيم شأنه والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه ، ويهتم بمعرفته ، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة اللّه على الخلق الأول
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم ، وذلك تسويله لهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة ، فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية ، والمراد بالإنسان الجنس ، وقيل : آدم ، ونعلم حال بتقدير نحن ، والجملة اسمية ولا يصح أن يكون ونعلم حالا بنفسه لأنه مضارع مثبت باشرته الواو وما مصدرية أو موصولة كما في البيضاوي ، والباء زائدة كقولك :
صوت بكذا وهمس به أو للتعدية ، أي نعلم وسوسة نفسه له ، أو نعلم الأمر الذي تحدثه نفسه به ، فالنفس تجعل الإنسان قائما به الوسوسة ، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي ، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره . أي حديث النفس ، وهو ما ليس فيه صوت كالكلية لكن مناسبته للمعنى الأصلي الخفاء