تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
إِذْ
أي أذكر إذ
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ
ويجوز أن يكون الظرف منتصبا بما في أقرب من معنى الفعل ، والمعنى أنه أقرب إليه من حبل وريده ، حين يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان الموكلان به ، وبما يلفظ به ، وما يعمل به ، أي يأخذان ذلك ويثبتانه والتلقي الأخذ ، وقيل : التلقي التلقن بالحفظ والكتابة ، والمعنى نحن أعلم بأحواله غير محتاجين إلى الحفظة الموكلين به . وإنما جعلنا ذلك إلزاما للحجة وتوكيدا للأمر .
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
قال الحسن وقتادة : المتلقيان ملكان يتلقيان عملك ، أحدهما عن يمينك ويكتب حسناتك ، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك . وقال مجاهد أيضا : وكل اللّه بالإنسان ملكين بالليل ، وملكين بالنهار يحفظان عمله ، ويكتبان أثره ، روي أنهما قاعدان على ثنيتيه ، لسانه قلمهما وريقة مدادهما ذكره أبو السعود وإنما قال قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان ؛ لأن المراد عن اليمين قعيد . وعن الشمال قعيد . فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ؛ كذا قال سيبويه . وقال الأخفش والفراء : إن لفظ قعيد يصلح للواحد والاثنين والجمع . ولا يحتاج إلى تقدير في الأول . قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة والنحو : فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والقعيد المقاعد ، كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى .
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
أي ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لدى ذلك اللافظ ملك يرقب قوله ويكتب ، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر ، فكاتب الخير هو ملك اليمين . وكاتب الشر ملك الشمال . والعتيد الحاضر المهيأ . قال الجوهري : العتيد المهيأ . يقال : عتده تعتيدا وأعتده اعتادا . أي أعده . ومنه :
وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
[ يوسف : 31 ] والمراد ههنا أنه معد للكتابة مهيأ لها . والأفراد في رقيب عتيد مع اطلاعهما معا على ما صدر منه لما أن كل منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض لصاحبه كما ينبئ عنه قوله :
عَتِيدٌ .
وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص . فعلم أن كلا منهما يقال له :
رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
ويعلم من هذه الآية أن الملكين معدان لذلك بخلاف الأولى فإنه لا يعلم منها ذلك ، وأيضا يعلم من هذه صريحا أن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى ، قال أبو سعيد في الآية : يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
[ الرعد : 39 ] وقال ابن عباس : إنما يكتب الخير والشر ، لا يكتب يا غلام أسرج الفرس يا غلام أسقني الماء .