وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم » « 1 » .
وعن عمرو بن ذر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه عند لسان كل قائل فليتق اللّه عبد ولينظر ما يقول » أخرجه أحمد وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وابن أبي شيبة وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعا مثله .
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من الموت والبعث ، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال ، وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذانا بتحققها ، وغاية اقترابها ، والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب عقله ، ومعنى
بِالْحَقِّ
أنه عند الموت يتضح له الحق ، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد ، وقيل : الحق هو الموت نفسه ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي وجاءت سكرة الحق بالموت ، وكذا قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود .
والسكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين ، وقيل الباء للملابسة كالتي في قوله :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ] أي متلبسة بالحق أي بحقيقة الحال وقيل بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا وهو نفس الشدة قاله الجلال المحلي وقال القاري : لم يظهر لي معنى هذه العبارة ، ويمكن أن يقال الضمير في قوله هو راجع لأمر الآخرة ، والمراد بالشدة الأمر الشديد ، وهو أهوال الآخرة فعلى هذا تكون هذه الجملة تفسيرا لقوله من أمر الآخرة ، وقيل بالحكمة وقيل بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة .
ذلِكَ
أي الموت
ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
أي الذي كنت تميل عنه وتفر منه في حياتك ، فلم ينفعك الهرب والفرار ، يقال : حاد عن الشيء يحيد حيودا وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل . وقال الحسن : تحيد تهرب ، وقيل تفزع ، وقيل : تكره ، وقيل تنفر
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ، وهذه هي النفخة الآخرة للبعث عطف على جاءت سكرة الموت والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السّلام ، وهو من العظمة بحيث لا يعلم قدره إلا اللّه ، وقد التقمه إسرافيل من حين بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منتظرا للإذن بالنفخ ذكره الخطيب
ذلِكَ
أي
هامش
( 1 ) لفظ الحديث في الصحيحين والسنن : « إنّ اللّه تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به » ، أخرجه البخاري في الأيمان باب 15 ، والطلاق باب 11 ، ومسلم في الإيمان حديث 201 ، 202 ، والرؤيا حديث 15 ، وأبو داود في الطلاق باب 15 ، والترمذي في الطلاق باب 8 ، وتفسير سورة 2 ، باب 37 ، وابن ماجة في الطلاق باب 14 ، وأحمد في المسند 2 / 255 ، 393 ، 474 ، 481 ، 491 .