تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت ، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام ، وترك الاحترام ، لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير ، ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ، ومزيد اللغط ، والأول أولى ، والمعنى : لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال المفسرون : المراد من الآية تعظيم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتوقيره ، وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا وهذا نهي عن قول ، كما أن قوله :
لا تُقَدِّمُوا
نهي عن فعل . عن أبي بكر الصديق قال : « لما أنزلت هذه الآية قلت : يا رسول اللّه ، واللّه لا أكلمك إلا كأخي السرار » وفي سنده حصين بن عمر وهو ضعيف ، ولكنه يؤيده . ما روي عن أبي هريرة قال : « لما نزلت :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
قال أبو بكر : والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول اللّه لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى اللّه » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما . عن أنس قال : « لما نزلت هذه الآية إلى قوله :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزينا ففقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا : فقدك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما لك ؟ فقال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ، وأجهر له بالقول ، حبط عملي أنا من أهل النار ، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه بذلك ، فقال : لا بل هو من أهل الجنة ، فلما كان يوم اليمامة قتل » « 1 » ، وفي الباب أحاديث بمعناه وعن ابن مسعود قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس .
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ
إذا كلمتموه
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أي كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا ، قال الزجاج : أمرهم اللّه سبحانه بتجليل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار . وقيل : المراد بقوله :
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ
لا تقولوا : يا محمد ، يا أحمد ، ولكن يا نبي اللّه ، ويا رسول اللّه ، توقيرا له ، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر بالقول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف ، فإن ذلك كفر ، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره ، والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور : الأول : عن التقديم بين يديه ، بما لم يأذن به من الكلام .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 49 ، باب 1 ، 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 187 ، 188 ، وأحمد في المسند 3 / 137 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 371 | صديق الحسيني القنوجي البخاري