موقعه عند اللّه ، ثم عقبه بما هو أطم ، وهجنته أتم ، من الصياح برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه لأن من رفع اللّه قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغا انتهى .
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
أي : لو انتظروا خروجك ، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم ، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل ، وقيل : إنهم جاؤوا شفعاء في أسارى فأعتق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصفهم ، وفادى نصفهم ، ولو صبروا لأعتق الجميع ذكر معناه مقاتل . وقيل : يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولا لأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
كثير المغفرة والرحمة بليغهما ، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب إن تابوا وأنابوا .
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 6 إلى 10 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
قرأ الجمهور من التبين وقرىء فتثبتوا من التثبت ، والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبت الإفادة وعدم العجلة ، والتبصر بالأمر الواقع ، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر ، وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال : أي فاسق جاءكم بأي نبأ فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ، ولا تعتمدوا على قول الفساق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه والفسوق الخروج من الشيء يقال فسقت الرطبة عن قشرها ، ومن مقلوبه فقست البيضة إذا كسرتها ، وأخرجت ما فيها من بياضها وصفرتها ؛ ومن مقلوبه أيضا فقست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصبا له ، عليه ، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه .