تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
وقيل : لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة ، وهو الأظهر والأشمل وجرت هذه العبارة أي بين يدي اللّه ورسوله هنا على سنن من المجاز وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا أي استعارة تمثيلية ، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن اللّه ورسوله أو المراد بين يدي رسول اللّه وذكر لفظا للّه تعظيما للرسول وإشعارا بأنه من اللّه بمكان يوجب إجلاله وعلى هذا فلا استعارة ، وإليه يميل كلام المحلي . وقال الشهاب : في هذا الكلام تجوزان ، أحدهما في : بين اليدين ، فإن حقيقته ما بين العضوين ، فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال القريبتين منه ، بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما ، فهو من المجاز المرسل ، ثم استعيرت الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته ، والمعنى كما قال الخازن : لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول اللّه ، أو قبل أن يفعل ، وفي البيضاوي ، المعنى : لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم اللّه ورسوله به انتهى ؛ وقطع الأمر الجزم به ، والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في كل أموركم ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي اللّه ورسوله دخولا أوليا ، ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله :
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لكل مسموع
عَلِيمٌ
بكل معلوم . عن عبد اللّه بن الزبير قال : قدم ركب من بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد ، وقال عمر أمر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي فقال عمر : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل اللّه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ،
حتى انقضت الآية » « 1 » ، أخرجه البخاري وغيره قال ابن عباس نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ، وهذا يشمل معارضة السنة والكتاب بالرأي ، والتقليد أيضا . وعن عائشة قالت : « لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم » . وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت : « كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوما أو يومين فأنزل اللّه هذه الآية » .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
في إعادة النداء فوائد ، منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
[ لقمان : 13 ] ، لأن النداء تنبيه للمنادى ، ليقبل على استماع الكلام ، ويجعل باله منه ، فإعادته تفيد تجدد ذلك ، ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا ، ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، وليس الثاني تأكيدا للأول .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 68 ، وتفسير سورة 49 ، باب 2 ، والنسائي في القضاة باب 6 .