تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
الجمع ، والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها ، وهي فعلة بمعنى مفعولة ، قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم ، وقرىء بفتحها تخفيفا وقرىء بإسكانها ، وهي لغات ومناداتهم من وراء الحجرات إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها ، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له ، فنادى كل واحد على حجرة و
( مِنْ )
في
( مِنْ وَراءِ )
لابتداء الغاية ، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى .
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
لغلبة الجهل عليهم ، وكثرة الجفاء في طباعهم ، والمراد بالأكثر الكل ، لأن العرب قد تفعل هكذا . عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا محمد اخرج إلينا فلم يجبه فقال : يا محمد إن حمدي زين ، وإن ذمي شين ، فقال : ذلك اللّه ، فأنزل اللّه
إِنَّ الَّذِينَ
الخ » « 1 » أخرجه أحمد وابن جرير والبغوي والطبراني وابن مردويه ، قال السيوطي بسند صحيح ، قال ابن منيع : لا اعلم روى الأقرع مسندا غير هذا . وعن البراء بن عازب في الآية ، قال : « جاء رجل فقال يا محمد أن حمدي زين وإن ذمي شين ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ذاك اللّه » « 2 » أخرجه الترمذي وحسنه . وعن زيد بن أرقم قال : « اجتمع ناس من العرب فقالوا : انطلقوا إلى هذا الرجل ، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يك ملكا نعش بجناحه ، فأتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه : يا محمد فأنزل اللّه هذه الآية فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإذني وجعل يقول لقد صدق اللّه قولك يا زيد » أخرجه ابن راهويه ؛ ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه قال السيوطي : بإسناد حسن ، وفي الباب أحاديث . قال النسفي : وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، منها التسجيل على الصائحين به السفه والجهل ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ، ومقيله مع بعض نسائه ومنها التعريف باللام دون الإضافة . ولو تأمل متأمل من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك ، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى اللّه ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد ، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر . كأن الأول بساط للثاني ، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظم
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 488 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 49 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 3 / 488 ، 6 / 393 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 373 | صديق الحسيني القنوجي البخاري