والثاني : عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو خطاب غيره .
والثالث : ترك الجفا في مخاطبته ، ولزوم الأدب في محاورته ، لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء ، الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره .
ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله :
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
قال الزجاج : أي لأن تحبط يعني فتحبط ، فاللام المقدرة لام الصيرورة ، وهذه العلة تصبح أن تكون علة للنهي ، أي :
نهاكم اللّه عن الجهر خشية أو كراهة أن تحبط ، أو علة للمنهي أي : لا تفعلوا الجهر ، فإنه يؤدي إلى الحبوط ، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الأول وجملة :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
في محل نصب على الحال ، وفيه تحذير شديد . ووعيد عظيم ، قال الزجاج : وليس المراد قوله :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلمه .
ثم رغب اللّه سبحانه في امتثال أمره فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
إجلالا له وتعظيما ، وأصل الغض النقص من كل شيء ، ومنه نقص الصوت
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
قال الفراء : أخلص قلوبهم
لِلتَّقْوى
كما يمتحن الذهب بالنار ، فيخرج جيده من رديئه ، ويسقط خبيثه ، وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة ، وقال الأخفش : اختصها للتقوى ، وقال الواحدي : تقدير الكلام امتحن اللّه قلوبهم فأخلصها للتقوى ، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه ، وهذا الوجه انسب لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة ، الكرام ، أو في التعريض بمن ليسوا على وصفهم ، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
وفي فاصلة اللاحقة :
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ،
وقيل : طهرها من كل قبيح ، وقيل وسعها وشرحها من محنت الأديم إذا وسعته وقال أبو عمر : وكل شيء جهدته فقد محنته ، واللام متعلقة بمحذوف أي : صالحة للتقوى ، كقولك : أنت صالح لكذا ، أو للتعليل كقولك : جئت لأداء الواجب أي : ليكون مجيئي سببا لأدائه .
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
خبر آخر لأولئك أو مستأنفة لبيان ما أعد اللّه لهم في الآخرة ، وهو الظاهر .
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ
هم جفاة بني تميم ، كما سيأتي بيانه ، ووراء الحجرات خارجها وخلفها ، أو قدامها ، والحجرات جمع حجرة كالغرفات جمع غرفة ، والظلمات جمع ظلمة ، وقيل جمع حجر والحجر جمع حجرة فهو جمع