تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
والثاني : أن التعريف يفيد العهد ، والعهد يفيد التخصيص والتخصيص يباين العموم فيفيد ما ذكرته فلا يفيد ذلك وهذا برهان مقنع لمن كانت له أذن واعية من النصارى والمسلمين ، ويجوز أن يراد بالزراع الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبالأرض الأمة ، وبالبذر الإيمان ، على حسب مراتب المؤمنين ، وبالنوع الأخير خيار الأمة على حسب مراتبهم ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتقويته لهم وتشبيههم بالزرع فقال :
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكفار واللام متعلقة بمحذوف ، أي فعل ذلك ليغيظ قيل : هو قول عمر بن الخطاب لأهل مكة بعد ما أسلم : لا يعبد اللّه سرا بعد اليوم ، وقال مالك بن أنس : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أصابته هذه الآية وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الخصوص والعموم ، ليس هذا محل بسطها .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
أي وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يغفر ذنوبهم ، ويجزل أجرهم ، بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة ، وأعظم منة ، ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض وهذه الآية ترد قول الروافض أنهم كفروا بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون لو أن ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال الجلال المحلي : وهما أي المغفرة والأجر لمن بعدهم أيضا في آيات أي بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، كقوله تعالى :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
إلى قوله
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
[ الحديد : 21 ] ونحو ذلك من الآيات . ( خاتمة ) قد جمعت هذه الآية وهي :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة جميع حروف المعجم ، وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشارة التصريحية باجتماع أمرهم ، وعلو نصرهم ، رضي اللّه تعالى عنهم وحشرنا معهم وهذا من لطائف النظم القرآني ، وهذا آخر القسم الأول من القرآن وهو المطول وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحاصلهما الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرا ، كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له صلّى اللّه عليه وسلّم بالحال على من قصده بالضر باطنا .