تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الفلاسفة اليونانيين الذين قلوبهم لا قابلية لها ، أن تكون ظرفا لمفهوم النواميس ، لأن النواميس لم تصدر عن المبدىء جل اسمه إلا على سبيل السذاجة ، فلا تؤثر في قلوبهم ، لأنها لا تستقيم فيها ، فيأتي الشيطان ويخطفها من قلوبهم بشبهاته السفسطية ، وقوله سقط بعضه على الصخرة الخ إشارة إلى النواميس التي وقعت في أيدي اليهود ، لأن قلوبهم كانت أقسى من الصخرة في قبولها ، فلم تكن قابلة لأخذها ، بل كانوا يتفوهون بها إلى مدة يسيرة ، وهي تحولها من أيديهم إلى أيدي النصارى ، وذلك هو طلوع الشمس فلما لم يذعنوا لما آتاهم به عيسى زال ما كان قد ألقى إليهم من ذلك من قلوبهم ، واضمحل ، كما يزول النبت المزروع على الصخرة بحرارة الشمس . وقوله وبعضه وقع في الشوك الخ إشارة إلى النواميس التي وقعت في أيدي النصارى ، والشوك عبارة عن مشتبهات الأمور التي كانت تصدر عن عيسى عليه السّلام ، كإحياء الميت وإشفاء المريض وإعادة بصر الأكمه وسمع الأصم ونطق الأبكم التي هي من خوارق العادة ، ونمو الشوك ازدياد هذه الأمور واختناقها زوال الاعتقاد بموضوعاتها ، قوله : وسقط بعضه في الأرض الطيبة الخ برهان قاطع ، ودليل لامع ساطع على النواميس التي وقعت في أيدي العرب على معرفة محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن قلوبهم كانت ساذجة لائقة أن تكون لها ظرفا . قوله : وأثمر ، المراد بمطلق الإثمار أبو بكر ، بعضه مائة ضعف عمر ، وبعضه ستون عثمان ، وبعضه ثلاثون علي ، ونسبة الإثمار إلى أبي بكر لاستقلال الخلافة في أيامه ، ونسبة مائة إلى عمر لنمو الإسلام في عهده ، ونسبة ستين إلى عثمان لانخفاض ضعف ذلك النمو ، الذي حصل في أيام عمر ، ونسبة ثلاثين إلى علي لأنه هو آخر الخلفاء وخاتمهم . ومصداق لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الخلافة بعدي ثلاثون عاما » « 1 » ، وفيه مطابقة مع ما روي عن عكرمة في قوله : أخرج زرعة بأبي بكر فآزره بعمر ، فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي ، وقد تقدم . وتكرر في لوقا ضرب من لطيف التأكيد ، فإن قيل : لم لا يحمل على ما حمله عليه النصارى ، فيكون المراد بالزراع عمل الخير ، وبالإثمار مطلق الجزاء ، قلت إنه لا يجوز الحمل على هذا المعنى لوجوه : الأول : أنا قد وجدنا ذلك في القرآن والمطابقة لازمة .
هامش
( 1 ) روي الحديث بلفظ : « الخلافة ثلاثون عامر ثم يكون بعد ذلك الملك » أخرجه أحمد في المسند 5 / 220 ، 221 ، وروي أيضا بلفظ : « خلافة النبوة ثلاثون سنة » أخرجه أبو داود في السنة باب 8 ، والترمذي في الفتن باب 48 ، وأحمد في المسند 4 / 273 ، 5 / 44 ، 50 ، 404 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 367 | صديق الحسيني القنوجي البخاري