هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
أي إرسالا متلبسا بالهدى
وَدِينِ الْحَقِّ
وهو الإسلام
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
أي : يغلبه ويعليه على كل الأديان ، بنسخ ما كان حقا ، وإظهار فساد ما كان باطلا ، كما يفيده تأكيد الجنس ، وقيل : ليظهر رسوله ، والأول أولى ، وقد كان ذلك بحمد اللّه ، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان ، وانقهر له كل أهل الملل ، ولا ترى دينا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة ، وقيل : هو عند نزول عيسى عليه السّلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر ، وقيل هو إظهاره بالحجج والآيات والأول أولى ، وفي هذا تأكيد لما وعده من الفتح
وَكَفى بِاللَّهِ
الباء زائدة
شَهِيداً
على الإظهار الذي وعد المسلمين به ، وعلى صحة نبوة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم .
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
الجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به
وَالَّذِينَ مَعَهُ
من المؤمنين ، وقيل : هم أصحاب الحديبية ، والأولى الحمل على العموم
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
أي غلاظ عليهم ، كما يغلظ الأسد على فريسته ، وهو جمع شديد لا تأخذهم بهم رأفة ، لأن اللّه أمرهم بالغلظة عليهم ، فلا يرحمونهم
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
أي متوادون متعاطفون ، كالوالد مع الولد ، وهو جمع رحيم والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ، ولمن وافقهم الرحمة والرأفة ، ونحوه قوله :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] .
قال الحسن : بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم وتمسها ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وتلزق بها ، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه ، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل ، وهذا التعطف ، فيشددوا على من ليس من دينهم ، ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام ، متعطفين بالبر والصلة وكف الأذى والاحتمال منهم ، قرأ الجمهور برفع أشداء ورحماء على أنه خبر للموصول ، وقرىء بنصبهما على الحال ، أو على المدح ، ويكون الخبر على هذه القراءة قوله :
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
أي تشاهدهم وتبصرهم حال كونهم راكعين ساجدين ، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها .
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
أي : يطلبون ثواب اللّه لهم ، ورضاه عنهم ، وفيه لطيفة أن المخلص بعمله للّه يطلب أجره من اللّه ، والمرائي بعمله لا ينبغي له أجر ، وذكر بعضهم في الآية والذين معه أبا بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب ، رحماء بينهم عثمان بن عفان ، تراهم ركعا سجدا علي بن أبي طالب ، يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا بقية الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين .
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
السيما : العلامة ، وفيها لغتان المد