بالحق الذي هو من أسمائه سبحانه وجوابه
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
في العام القابل ، وعلى الأول هو جواب قسم محذوف
إِنْ شاءَ اللَّهُ
[ البقرة : 70 ] تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه ، كما في قوله :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] قال ثعلب : إن اللّه استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون ، وقيل : كأن اللّه سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية ، فوقع الاستثناء لهذا المعنى ، قاله الحسن بن الفضل ، وقيل : معنى إن شاء اللّه كما شاء اللّه وقال أبو عبيدة : إن بمعنى إذ يعني إذ شاء اللّه حيث أرى رسوله ذلك .
آمِنِينَ
حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض ، والمعنى : آمنين في حال الدخول ، لا تخافون عدوكم أن يخرجكم في المستقبل
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
أي محلقا بعضكم جميع الشعور ، ومقصرا بعضكم ، والحلق والتقصير خاص بالرجال ، والحلق أفضل من التقصير ، كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم للمحلقين في المرة الأولى والثانية ، والقائل يقول له : وللمقصرين « 1 » ، فقال في الثالثة : وللمقصرين ، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في البخاري ومسلم وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه وهو من حديث ابن عمر ، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضا .
لا تَخافُونَ
مستأنف ، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله
آمِنِينَ
فلا تكرار .
فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا
معطوف على صدق ، أي صدق رسوله الرؤيا ، فعلم ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح ، لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ
أي دخولكم مكة كما أري رسوله
فَتْحاً قَرِيباً
ليقويكم به ، فإنه كان موجبا لإسلام كثير ، قال أكثر المفسرين :
هو صلح الحديبية ، وقال ابن زيد والضحاك : فتح خيبر ، وتحققت الرؤيا في العام القابل ، وقال الزهري : لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ، ولقد دخل في تلك السنين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك ، بل أكثر ، فإن المسلمين كانوا في سنة ست وهي سنة الحديبية ألفا وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف وقيل : هو فتح مكة .
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الحج باب 127 ، ومسلم في الحج حديث 316 ، 317 ، 318 ، 320 ، 321 ، وأبو داود في المناسك باب 78 ، والترمذي في الحج باب 47 ، وابن ماجة في المناسك باب 71 ، والدارمي في المناسك باب 64 ، ومالك في الحج حديث 184 ، وأحمد في المسند 1 / 216 ، 353 ، 2 / 16 ، 34 ، 138 ، 141 ، 151 ، 4 / 165 .