مقاتل : بالمن ، وقال عطاء : بالنفاق والشرك ، قلت : والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال ، كائنا ما كان ، من غير تخصيص بنوع معين ، عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا اللّه ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، حتى نزلت هذه الآية ، فخافوا أن يبطل الذنب العمل ، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم .
وعن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول ، حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات ، والفواحش ، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك حتى نزلت هذه الآية
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] ، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك ، وكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه ، وإن لم يصب منها شيئا رجوناه .
واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل ، حتى لو دخل في صلاة تطوع ، أو صوم تطوع ، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه ، وبه قال أبو حنيفة رحمه اللّه ، وقال الشافعي بخلافه ، ولا دليل لهم في الآية ، ولا حجة ، لأن السنة مبينة للكتاب .
وقد ثبت في الصحيحين : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصبح صائما فلما رجع إلى البيت وجد حيسا ، فقال لعائشة : قربيه فلقد أصبحت صائما ، فأكل » وهذا معنى الحديث ، وليس بلفظه ، فليس في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج ، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات ، حتى إن من عبد اللّه طول عمره ، ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط ،
ثم بيّن سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل اللّه فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
فقيّد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر ، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيا ، وظاهر الآية العموم ، وإن كان السبب خاصا ، نزلت في أصحاب القليب ، قاله المحلي ، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره ،
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال :
فَلا تَهِنُوا
أي فلا تضعفوا عن القتال ، والوهن الضعف ، والخطاب لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والحكم عام لجميع المسلمين
وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ
أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم ، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف . قال الزجاج : منع اللّه المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا ، وقرىء تدعوا من ادعى القوم وتداعوا ، والسلم بفتح السين وكسرها سبعيتان ، قال قتادة : معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها .