واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فقيل : إنها محكمة ، وأنها ناسخة لقوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[ الأنفال : 61 ] وقيل :
منسوخة بهذه الآية ، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ ، فإن اللّه سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعو إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون ، فالآيتان محكمتان ، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص ، بل نزلتا في وقتين مختلفي الأحوال ، وجملة
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
حالية أو مستأنفة مقررة لما قبلها من النهي ، أي وأنتم القاهرون الغالبون بالسيف والحجة ، قال الكلبي : أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات .
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
بالنصر والمعونة عليهم
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم ، يقال : وتره يتره وترا إذا أنقصه حقه ، وأصله من وترت الرجل إذا قتلت له قريبا أو نهبت له مالا ، ويقال : فلان مأتور إذا قتل له قتيل ، ولم يؤخذ بدمه ، قال الجوهري : أي لن ينقصكم في أعمالكم ، كما تقول : دخلت البيت وأنت تريد في البيت ، قال الفراء : هو مشتق من الوتر وهو الذحل وقيل : مشتق من الوتر وهو الفرد ، فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب قال ابن عباس : يتركم يظلمكم .
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
أي باطل وغرور ، لا أصل لشيء منها ، ولا ثبات له ، ولا اعتداد به ، تنقطع في أسرع مدة فكيف تمنعكم عن طلب الآخرة ؟
واللعب ما يشغل الإنسان ، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغاله المهمة فهو اللعب ، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو
وَإِنْ تُؤْمِنُوا
باللّه
وَتَتَّقُوا
الكفر والمعاصي
يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
أي جزاء ذلك في الآخرة والأجر الثواب على الطاعة .
وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
أي : لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات ، بل أمركم بإخراج القليل منها غيضا من فيض ، أي ربع العشر وهو الزكاة ، وبه قال ابن عيينة وغيره ، وقيل : المعنى ولا يسألكم أموالكم ، إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها ، وهو المنعم عليكم بإعطائها وقيل : لا يسألكم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة ، كما في قوله :
ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
[ الفرقان : 57 ] والأول أولى .
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها
أي أموالكم كلها
فَيُحْفِكُمْ
أي يبالغ في طلبها ، قال المفسرون : يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها ؛ يقال : أحفى بالمسألة ، وألحف وألح ، بمعنى واحد والمحفي المستقصي في السؤال والإحفاء والاستقصاء في الكلام ، ومنه إحفاء الشارب أي استئصاله ، وجواب الشرط قوله :
تَبْخَلُوا
أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها ، وتمتنعوا من الامتثال .