أعم الأحوال ، وقال الكلبي إلا للحق وكذا قال الحسن ، وقيل إلا لإقامة الحق وإظهاره ، وقيل بالعدل ، وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، وقيل بالجد ضد اللعب .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
لقلة نظرهم أن الأمر كذلك ، وهم المشركون ، وفيه تجهيل عظيم لمنكري البعث والحشر ، وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ويحسبونه هينا وهو عند اللّه عظيم ، وفي هذه الآية دليل على صحة الحشر ووقوعه .
ووجه الدلالة أنه لو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق عبثا ، لأنه تعالى خلق نوع الإنسان ، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع ، والمهاد المفروش ، وما فيهما وما بينهما من عجائب المصنوعات وبدائع الأحوال ثم كلفهم بالإيمان والطاعة فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من المعاصي ، بأن يكون المطيع متعلق فضله وإحسانه ، والعاصي متعلق عدله وعقابه ، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها ، وعدم الاعتداد بمنافعها ، لكونها مشوبة بأنواع الآفات والمحن ، فلا بدّ من البعث
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ طه : 15 ] فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها ، وهو أنه لما حكي مقالة منكري البعث والجزاء ، وهددهم ببيان مآل المجرمين الذين مضوا ، ذكر الدليل القاطع ، الدال على صحة البعث والجزاء فقال :
وَما خَلَقْنَا
الخ .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ
أي يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل ، والإضافة على معنى في ، والظاهر أنها بمعنى اللام
مِيقاتُهُمْ
أي الوقت المجعول لتميز المحسن من المسئ ، والمحق من المبطل
أَجْمَعِينَ
لا يخرج عنهم أحد من ذلك ، وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر إن ، واسمها يوم الفصل ، وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه اسمها ، ويوم الفصل خبرها ،
ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
بدل من يوم الفصل أو منتصب بفعل يدل عليه الفصل ، أي يفصل بينهم يوم لا يغني ، والمعنى أنه لا ينفع قريب قريبا ، ولا يدفع عنه شيئا .
ويطلق المولى على الولي ، وهو القريب والناصر ، وفي المختار المولى المعتق والمعتق وابن العم والناصر والجار ، والحليف ، أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه ولا صديق عن صديقه شيئا ، ومولى الأول مرفوع بالفاعلية ، والثاني مجرور بعن ، وإعرابهما إعراب المقصور كفتى وعصا ورحى ، والمراد بالمولى الثاني الكافر ، وبالأول المؤمن ، أي لا يغني مولى مؤمن عن مولى كافر شيئا فهذه الآية نظير قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
[ البقرة : 48 ] الآية .