تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض ، ولم يكونوا بهذا الحدّ بل كانوا دون ذلك فذكر هذا تهكما بهم . وقال مجاهد إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحا ، وقيل تبكي على المؤمن مواضع صلاته ومصاعد عمله ، وعلى هذا إنه بكاء كالمعروف من بكاء الحيوان ، وفي معنى الآية وجهان ، والثاني أظهر وأوفق بالأحاديث ونظم القرآن قال السدي : لما قتل الحسين رضي اللّه عنه بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها . وعن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من عبد إلا وله بابان باب يصعد منه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه ، وتلا هذه الآية
فَما بَكَتْ »
الخ وذكر « أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ، ولا من عملهم ، كلام صالح فيفتقدهم ، فيبكي عليهم » « 1 » ، أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والخطيب . وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب نحوه من قول ابن عباس ، وعنه قال : « يقال : الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحا » وعن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلا قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية ثم قال إنهما لا تبكيان على كافر » أخرجه ابن جرير وابن أبي الدنيا . وعن علي رضي اللّه تعالى عنه « إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء ، ثم تلا هذه الآية »
وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
أي مؤخرين للتوبة وممهلين إلى وقت آخر . بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم .
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ
أي خلصناهم بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد ، وقتل الأبناء واستيحاء النساء وتكليفهم للأعمال الشاقة
مِنْ فِرْعَوْنَ
بدل من العذاب إما على حذف مضاف أي من عذابه ، وإما على المبالغة كأنه نفس العذاب ، فأبدل منه أو على أنه حال من العذاب ، أي صادرا من فرعون ، وقرأ ابن عباس من فرعون ؟ بفتح الميم على الاستفهام التحقيري ، كما يقال لمن افتخر بحسبه أو نسبه : من أنت ؟ والأول أولى . ثم بين سبحانه فقال
إِنَّهُ كانَ عالِياً
في التكبر والتجبر
مِنَ الْمُسْرِفِينَ
في الكفر باللّه ، وارتكاب معاصيه ، كما في قوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 44 ، باب 2 .