تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
والمعنى أنه طلب منهم أن يسلموا إليه بني إسرائيل الذين كان فرعون استعبدهم ، فأداؤهم استعارة بمعنى إطلاقهم وإرسالهم معه . قال مجاهد : المعنى أرسلوا معي عباد اللّه وأطلقوهم من العذاب ، فعباد اللّه على هذا مفعول به ، كقوله في سورة طه :
فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ
[ طه : 47 ] وقيل : المعنى أدوا إلى عباد اللّه ما وجب عليكم من حقوق اللّه فيكون منصوبا على أنه منادى مضاف ، وقيل : أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي وقال ابن عباس : اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ
من اللّه
أَمِينٌ
على الرسالة غير متهم وهذا تعليل للأمر .
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ
أي لا تتجبروا ولا تتكبروا عليه بترفعكم عن طاعته ومتابعة رسله وإهانة وحيه وهذا أوضح ، وقيل : لا تبغوا على اللّه وقيل : لا تفتروا عليه ، قاله ابن عباس ، والأول أولى ، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول ، وقال ابن عباس أيضا لا تعثوا ، وقال ابن جريج لا تتعظموا ، وقال يحيى بن سلام لا تستكبروا والفرق بينهما أن التعاظم تطاول المقتدر ، والاستكبار ترفع المحتقر ، أفاده الماوردي . وجملة
إِنِّي آتِيكُمْ
تعليل لما قبلها من النهي قرأ الجمهور بكسر همزة إني وقرىء بالفتح بتقدير اللام
بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي بحجة بينة واضحة يعترف بصحتها كل عاقل ، ولا سبيل إلى إنكارها ، وقال قتادة وابن عباس بعذر بين ، والأول أولى ، وبه قال يحيى بن سلام .
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ
من
أَنْ تَرْجُمُونِ
استعاذ باللّه سبحانه لما توعدوه بالقتل ، قال قتادة ترجموني بالحجارة ، وبه قال ابن عباس ، وقيل تشتموني ، كذا قال ابن عباس أيضا ، وقيل تقتلوني
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي
أي إن لم تصدقوا لي وتقروا بنبوتي ، ولم تؤمنوا باللّه لأجل برهاني ، فاللام في لي لام الأجل ، وقيل أي وإن لم تؤمنوا بي . كقوله :
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ
[ العنكبوت : 26 ] أي به .
فَاعْتَزِلُونِ
أي فاتركوني ولا تتعرضوا لي بأذى ، قال مقاتل دعوني كفافا لا علي ولا لي وقيل كونوا بمعزل عني ، وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم اللّه بيننا وقيل فخلوا سبيلي قاله ابن عباس ، والمعنى متقارب ، ثم لما لم يصدقوه ولم يجيبوا دعوته رجع إلى ربه بالدعاء كما حكى اللّه عنه بقوله :
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
أي كافرون قرأ الجمهور بفتح الهمزة على إضمار حرف الجر أي دعاه بأن هؤلاء وقرىء بكسرها على إضمار القول ، وفي الكلام حذف أي لكفروا فدعا ربه ، وسماه دعاء مع أنه لم يذكر إلا مجرد