تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
كونهم مجرمين لأنهم قد استحقوا بذلك الدعاء عليهم ، وقيل كان دعاؤه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم ، وقيل : هو قوله :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ يونس : 85 ] والأول أولى .
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
أجاب اللّه سبحانه دعاءه ، فأمره أن يسري ببني إسرائيل ليلا ، يقال : سرى وأسرى لغتان جيدتان ، قرأ الجمهور فأسر بالقطع من أسرى ، وقرأ أهل الحجاز بالوصل من سرى ، وهما سبعيتان ، والجملة بتقدير القول أي فقال اللّه لموسى أسر بعبادي ليلا
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
أي يتبعكم فرعون وجنوده ، وقد تقدم في غير موضع خروج فرعون بعدهم .
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
أي ساكنا ، يقال : رها يرهو رهوا إذا سكن لا يتحرك قال الجوهري : يقال أفعل ذلك رهوا أي ساكنا على هيئتك وعيش راه أي ساكن ، ورها البحر سكن ، وقال الهروي وغيره : وهو المعروف في اللغة ، والمعنى اترك البحر ساكنا على صفته بعد أن ضربته بعصاك ، ولا تأمره أن يرجع كما كان ليدخله آل فرعون بعدك وبعد بني إسرائيل ، فينطبق عليهم فيغرقون . وقال أبو عبيدة : رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح ، قال : ومنه قوله :
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
والمعنى اتركه منفرجا ، كما كان بعد دخولكم فيه ، وكذا قال أبو عبيدة ، وبه قال مجاهد وغيره قال ابن عرفة وهما يرجعان إلى معنى واحد ، وإن اختلف لفظاهما لأن البحر إذا سكن جريه انفرج قال الهروي ويجوز أن يكون رهوا نعتا لموسى ، أي سرّ ساكنا على هيئتك ، وقال كعب والحسن : رهوا طريقا ، وقال الضحاك والربيع : سهلا ، وقال عكرمة يبسا كقوله :
فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً
[ طه : 77 ] وعلى كل تقدير فالمعنى اتركه ذا رهو أو اتركه رهوا على المبالغة في الوصف بالمصدر وقال ابن عباس : رهوا سمتا وعنه قال كهيئة وأمض وعنه أيضا قال الرهو أن يترك كما كان .
إِنَّهُمْ
أي إن فرعون وجنده بعد خروجكم
جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
أي متمكنون في هذا الوصف ، وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي شأنه النجدة الموجبة للعلو في الأمور أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه ويطمئن جأشه ، قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف لقصد الإخبار بذلك وقرىء بالفتح على تقدير لأنهم .
كَمْ تَرَكُوا
كم هي الخبرية المفيدة للتكثير ، وقد مضى الكلام في معنى الآية في سورة الشعراء ، والتقدير فأغرقوا ، وكم مفعول به أي تركوا أمورا كثيرة وقد بينها بقوله :
مِنْ جَنَّاتٍ
أي بساتين
وَعُيُونٍ
تجري
وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ
قرأ الجمهور مقام بفتح الميم على أنه اسم مكان للقيام وقرىء بضمها اسم مكان الإقامة