تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
العذاب أسلمنا » والمراد بالعذاب الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال . والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجوع وشدة الجهد ، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة ، فإن ذلك دخان آخر ، ولا ينافيه أيضا ما قيل إنه الذي كان يوم فتح مكة ، فإنه دخان آخر على فرض صحة وقوعه .
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
أي كيف يتذكرون ويتعظون بما نزل بهم
وَ
الحال أنه
قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
يبين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر الدنيا والدين
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ
أي أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه بل جاوزوه .
وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
أي قالوا في حقه تارة إنما يعلمه القرآن بشر ، وتارة أخرى إنه مجنون ، أو قال بعضهم هذا وبعضهم ذلك فكيف يتذكر هؤلاء وأنّى لهم الذكرى ؟ ثم لما دعوا اللّه بأن يكشف عنهم العذاب ، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب اللّه سبحانه عليهم بقوله :
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا
أي إنا نكشفه عنهم كشفا قليلا أو زمانا قليلا وهذا جواب بطريق الالتفات لمزيد التهديد والتوبيخ ، وما بينهما اعتراض أي إلى يوم بدر أو إلى ما بقي من أعمارهم ، ثم أخبر سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه من الشرك ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان فقال :
إِنَّكُمْ عائِدُونَ
إلى ما كنتم عليه من الشرك ، وقد كان الأمر هكذا فإن اللّه سبحانه لما كشف عنهم العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد ، وقيل المعنى إنكم عائدون إلينا بالبعث والنشور والأول أولى .
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
قرأ الجمهور نبطش بفتح النون وكسر الطاء أي نبطش بهم وقرىء بضم الطاء وهي لغة وقرىء بضم النون وكسر الطاء والظرف منصوب بإضمار اذكر ، وقيل بدل من
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ
وقيل هو متعلق ب
مُنْتَقِمُونَ ،
وقيل بما دل عليه منتقمون ، وهو منتقم والبطشة الكبرى هي يوم بدر ، قاله الأكثر . والمعنى أنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم اللّه منهم بوقعة بدر . وقال الحسن وعكرمة والمراد بها عذاب النار يوم القيامة ، واختار هذا الزجاج ، والأول أولى .