كان بيننا أمر ارتفع له دخان ، ولهذا يقال للسنة المجدبة : الغبراء الثاني : أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان ، والسبب فيه إن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه ، ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود « أن قريشا لما استعصت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبطأوا عن الإسلام قال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام ، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع فأنزل اللّه هذه الآية فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل يا رسول اللّه استسق اللّه المطر فاستسقى لهم فسقوا فأنزل اللّه
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ
فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل اللّه
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
فانتقم اللّه منهم يوم بدر فقد مضى البطشة والدخان واللزام » « 1 » ، وقد روي عن ابن مسعود نحو هذا من غير وجه وروي نحوه عن جماعة من التابعين كمقاتل ومجاهد وعن أبي مليكة قال دخلت على ابن عباس فقال : « لم أنم هذه الليلة فقلت لم ؟ قال طلع الكوكب فخشيت أن يطرق الدخان » قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح وكذا صححه السيوطي ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية .
وقد عرفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع ، وبين كون الدخان من آيات الساعة وعلاماتها وأشراطها ، فقد وردت أحاديث صحاح وحسان وضعاف بذلك . وليس فيها أنه سبب نزول الآية فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها .
والواجب التمسك بما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن دخان قريش عند الجهد والجوع هو سبب النزول ، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي من أشراط الساعة كابن كثير في تفسيره وغيره في غيره ، وهكذا يندفع قول من قال : إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكا بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال : « كان يوم فتح مكة دخان ، وهو قول اللّه فارتقب الخ » فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه ظن من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية ، ولهذا لم يصرح بأنه سبب نزولها .
يَغْشَى النَّاسَ
صفة ثانية للدخان أي يشملهم ويحيط بهم
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
أي يقولون هذا أو قائلين ذلك أو يقول اللّه لهم ذلك
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
أي يقولون ذلك « وقد روي أنهم أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : إن كشف اللّه عنا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 44 ، باب 2 ، 3 ، ومسلم في المنافقين حديث 40 ، وأحمد في المسند 1 / 381 ، 431 ، 441 .