رمضان ، وقال قتادة أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم أنزل اللّه سبحانه على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة في أنواع الوقائع حالا فحالا ، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا في سورة البقرة ، عند قوله :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
[ البقرة :
185 ] وذكر سليمان الجمل أدلالة القولين ، وبسط فيها لا نطول بذكرها هنا .
وقال مقاتل كان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدر من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام ، وقيل ابتداء نزوله في ليلة القدر ، ووصف اللّه سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لنزول القرآن فيها وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا ، ولكونها تتنزل فيها الملائكة والروح كما سيأتي في سورة القدر إن شاء اللّه تعالى .
قال ابن عباس « أنزل القرآن في ليلة القدر ، ونزل به جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما لجواب الناس » ، وقيل المباركة الكثيرة الخير ، لما ينزل فيها من الخير والبركة ، ويستجاب من الدعاء ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة .
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
أي مخوفين عقابنا مستأنف أو جواب ثان بغير عاطف ، ومن جملة بركتها ما ذكره اللّه سبحانه ههنا بقوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
أي يفصل ويبين من قولهم فرقت الشيء أفرقه فرقا ، والأمر الحكيم المحكم المبرم الذي لا يحصل فيه تغيير ولا نقض ، وذلك أن اللّه سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت ، وبسط وقبض ، وخير وشر ، ورزق وأجل ، ونصر وهزيمة ، وخصب وقحط ، وغير ذلك من أقسام الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها ، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء ، فيزدادون بذلك إيمانا ، كذا قال مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم .
وقيل : معنى حكيم أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ، وهو من الإسناد المجازي ، لأن الحكيم صاحب الأمر على الحقيقة ، ووصف به الأمر مجازا ، وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض أو مستأنفة لتقرير ما قبلها ، قرأ الجمهور يفرق بضم الياء وفتح الراء مخففا ، وقرىء بفتح الياء وضم الراء ، ونصب كل أمر ورفع حكيم على أنه الفاعل .
والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان لأن اللّه سبحانه أجملها هنا وبينها في سورة البقرة بقوله :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
[ البقرة : 185 ] وبقوله في سورة القدر
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف ، ولا ما يقتضي الاشتباه .