تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته ، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد . وفيه نفي للولد على أبلغ وجه ، وأتم عبارة ، وأحسن أسلوب ، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني ، لأن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالا مثلها ، ومن هذا القبيل قوله تعالى :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره إن ثبت ما تقوله بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به فتكون إن في
إِنْ كانَ
شرطية ورجح هذا ابن جرير وغيره . وقيل : معنى العابدين الآنفين من العبادة وهو تكلف لا ملجىء إليه ولكنه قرىء العبدين : بغير ألف ؛ من عبد يعبد عبدا بالتحريك إذا أنف وغضب ، فهو عبد ، والاسم العبدة مثل الأنفة ولعل الحامل على هذه القراءة الشاذة البعيدة لمن قرأها هو استبعاد معنى
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
وليس بمستبعد ولا مستنكر وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
أنه من الأنف أو الغضب ؛ وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي وبه قال الفراء ، وكذا قال ابن الأعرابي إن معنى العابدين الغضاب الآنفين . وقال أبو عبيدة : معناه الجاحدين ، وحكى عبدني حقي أي جحدني ولا شك أن عبد وأعبد بمعنى أنف أو غضب ثابت في لغة العرب ، وكفى بنقل هؤلاء الأئمة حجة ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجىء إليه ومن التعسف الواضح ، وقد ردّ ابن عرفة ما قالوه فقال : إنما يقال : عبد يعبد فهو عبد ، وقل ما يقال : عابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ ، قرأ الجمهور ولد بالإفراد وقرىء بضم الواو وسكون اللام .
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
أي تنزيها له وتقديسا عما يقولون من الكذب ، بأن له ولدا ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه ، وهذا إن كان من كلام اللّه سبحانه فقد نزه نفسه الكريمة عما قالوه وإن كان من تمام كلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أمره بأن يقوله فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم بزعمهم الباطل تنزيه ربه وتقديسه .
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا
أي اترك الكفار حيث لم يهتدوا لما هديتهم به ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في أباطيلهم ؛ ويلهوا في دنياهم
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
وهو يوم القيامة ، وقيل العذاب في الدنيا : وقيل يوم الموت وهو الأظهر فإن خوضهم ولعبهم إنما ينتهي بيوم الموت ، قيل : وهذا منسوخ بآية السيف وقيل : هو غير منسوخ وإنما أخرج مخرج التهديد ، وفيه دليل على أن ما