تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
قرأ الجمهور : يصدون بكسر الصاد ، وقرىء بضمها ، وهما سبعيتان قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش : هما لغتان ومعناهما يضجون ، قال الجوهري : صد يصد صديدا أي ضج ، وقيل : إنه بالضم للإعراض ، وبالكسر من الضجيج ، قاله قطرب ، قال أبو عبيدة : لو كانت من الصدود عن الحق يقال : إذا قومك عنه يصدون ، عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لقريش : « إنه ليس أحد يعبد من دون اللّه فيه خير ، قالوا : ألست تزعم أن عيسى كان نبيا ؟ وعبدا من عباد اللّه صالحا ؟ وقد عبدته النصارى ، فإن كنت صادقا فإنه كآلهتهم ، فأنزل اللّه :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا »
الآية ، قلت : وما يصدون ؟ قال : يضجون .
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ
عندك
أَمْ هُوَ
أي المسيح ، قال السدي وابن زيد : خاصموه وقالوا إن كان كل من عبد غير اللّه في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة ، وقال قتادة يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي أآلهتنا خير أم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ويقوي هذا قراءة ابن مسعود أآلهتنا خير أم هذا .
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
أي ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك لا لطلب الحق حتى يرجعوا له عند ظهوره وبيانه ، على أن جدلا منتصب على العلة ، أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال وقرىء جدالا .
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
أي شديدو الخصومة ، كثيرو اللدد ، عظيموا الجدل ، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل » « 1 » ، ثم تلا هذه الآية ، وقد ورد في ذم الجدل بالباطل أحاديث كثيرة ، ثم بيّن سبحانه أن عيسى ليس برب ، وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوته فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 59 إلى 61 ]

إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 )
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
بما أكرمناه به من النبوة ، وأنعمنا عليه برفعة المنزلة والذكر
وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
أي آية وعبرة لهم ، يعرفون به قدرة اللّه سبحانه ، فإنه كان من غير أب ، وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، وكل مريض بإذن اللّه ، فمن أين يدخل في قوله :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ
[ الأنبياء : 98 ] ؟ .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 43 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، وأحمد في المسند 5 / 252 ، 256 .