تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
في الآية : كانت بموسى لثغة في لسانه ، واللثغة بالضم أن تصير الراء غينا أو لاما أو السين ثاء ، وقد لثغ من باب طرب فهو ألثغ ، وقيل المعنى لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ، ولم يرد به أنه لا قدرة له على الكلام ، والأول أولى .
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ
من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة
أَسْوِرَةٌ
جمع سوار ، وبها قرأ حفص ، وقرأ الجمهور أساور جمع أسورة ، وقال أبو عمرو بن العلاء واحد الأساورة والأساور والأساوير أسوار ، وهي لغة في سوار ، وقرأ أبيّ أساور ، وابن مسعود أساوير ، قال مجاهد : كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين ، وطوقوه بطوق ذهب ، علامة لسيادته ، أرادوا بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه ، أي فهلا حلي بأسورة
مِنْ ذَهَبٍ
إن كان عظيما مقدما سيدا .
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
أي هلا جاء معه الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقا يعينونه على أمره ، ويشهدون له بالنبوة ، ويمشون معه ، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة الجبابرة ، ومحفوفين بالملائكة
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
أي حملهم على خفة الجهل والسفه ، بقوله وكيده ، واستفزهم بالقول ، واستزلهم وعمل فيهم كلامه ، وقيل : طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الاسراع ، قال ابن الأعرابي المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم ، وقلة عقولهم ، فقال استخفه الفرح ، أي أزعجه ، استخفه أي حمله ، ومنه
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
[ الروم : 60 ] ، وقد استخف بقومه وقهرهم حتى اتبعوه وعزروه وقيل استخف قومه أي وجدهم خفاف العقول ، فصيغة الاستفعال للوجدان ، وفي نسبته إلى القوم تجوز .
فَأَطاعُوهُ
فيما أمرهم به وقبلوا قوله وكذبوا موسى
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
أي خارجين عن طاعة اللّه .
فَلَمَّا آسَفُونا
أي أغضبونا قاله المفسرون ، والأسف الغضب وقيل أشد الغضب ، وقيل السخط ، وقيل : المعنى أغضبوا رسلنا قال ابن عباس فلما أسخطونا وأغضبونا أي بالإفراط في الفساد والعصيان
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
ثم بين العذاب الذي وقع به الانتقام فقال :
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
في البحر وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به وهو الماء في قوله :
وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
ففيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء دون اللّه أهلكه اللّه به وقد استضعف اللعين موسى وعابه بالفقر والضعف ، فسلطه اللّه تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استضعف أحد شيئا إلا غلبه ، أفاده القشيري . أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قال إذا رأيت اللّه يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 242 | صديق الحسيني القنوجي البخاري