قالوا منصب رسالة اللّه منصب شريف ، فلا يليق إلا برجل شريف ، وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة ، وهي أن الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليس كذلك ، فأجاب اللّه سبحانه عليهم بقوله :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 32 إلى 34 ]
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 )
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
يعني النبوة أو ما هو أعم منها والاستفهام للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة وترسم هذه التاء مجرورة اتباعا لرسم المصحف الامام كما نص عليه ابن الجزري ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا فقال :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد ، فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا ، وهذا مالكا ، وهذا مملوكا ، وهذا قويا ، وهذا ضعيفا ، ولم نفوض ذلك إليهم ، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم للّه وحده ، وإذا كان اللّه سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة ؟ وتفويضها إلى من يشاء من خلقه ؟ قال مقاتل : يقول بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا ، قرأ الجمهور معيشتهم الافراد ، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن معايشهم بالجمع .
وَ
معنى
رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
أنه فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم ، ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض فقال :
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
أي ليستخدم بعضهم بعضا فيستخدم الغني الفقير ، والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف ، والحر العبد ، والعاقل من دونه في العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا ، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم ، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه ، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين فجعل البعض محتاجا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا ويعطي هذا هذا .
وقال السدي وابن زيد سخريا خولا وخدما ، يسخر الأغنياء الفقراء ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، وقال قتادة والضحاك : ليملك بعضهم بعضا ، وقيل هو