الدليل ، وترك التقليد أولى ، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية انتهى .
ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش ، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم فقال :
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ
أي أهل مكة عقب إبراهيم
وَآباءَهُمْ
أضرب سبحانه عن الكلام الأول إلى ذكر ما متعهم به من الأنفس والأهل والأموال ، والمد في الأعمار ، وأنواع النعم ، وسلامة الأبدان من البلايا والنقم ، وما متع به آباءهم ولم يعاجلهم بالعقوبة فاغتروا بالمهلة ، وانكبوا على الشهوات ، وشغلوا بالتنعم عن كلمة التوحيد ، وبطروا وتمادوا على الباطل .
حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ
يعني القرآن
وَرَسُولٌ مُبِينٌ
يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ظاهر الرسالة واضحها ، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين ، فلم يجيبوه ولم يعملوا بما أنزل عليه ، وفي هذه الغاية خفاء بيّنة في الكشاف وشروحه ، وهو أن ما ذكر ليس غاية للتمتيع ، إذ لا مناسبة بينهما مع أن مخالفة ما بعدها لما قبلها غير مرعي فيها .
والجواب أن المراد بالتمتيع ما هو سببه من اشتغالهم به عن شكر المنعم ، فكأنه قال : اشتغلوا به حتى
جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ
وهو غاية في نفس الأمر لأنه مما ينبههم ويزجرهم ، لكنهم لطغيانهم عكسوا ، فهو كقوله :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ البينة : 4 ] أفاده الشهاب
ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحق فقال :
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ
أي جاحدون فسموا القرآن سحرا وجحدوه واستحقروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء والأسلاف لم يتفكروا في الدليل واغتروا بطول الإمهال ، وإمتاع اللّه إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق والغرض بهذا الكلام توبيخ المقلد المسئ .
وَقالُوا
متحكمين بالباطل
لَوْ لا
هلا
نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[ الرحمن : 22 ] أي من أحدهما ، والمراد بهما مكة والطائف ، قاله ابن عباس : وبالرجلين الوليد بن المغيرة من مكة ، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف ، كذا قال قتادة وغيره : وقال مجاهد وغيره عتبة بن ربيعة من مكة وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف ، وقال ابن عباس ، عمير بن مسعود وخيار قريش ، وقال أيضا العظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي ، وعنه قال : يعنون أشرف من محمد الوليد بن المغيرة من أهل مكة ومسعود الثقفي من أهل الطائف ، وقيل غير ذلك ، وظاهر النظم أن المراد رجل من إحدى القريتين عظيم الجاه ، واسع المال ، مسود في قومه ، والمعنى أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل من عظماء القريتين ، فهؤلاء المساكين