وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
أي هذه الأربعة المذكورة ، لأن جمع ما لا يعقل حكمه حكم جمع الإناث ، أو الآيات ، أو الشمس والقمر ، لأن الاثنين جمع عند جماعة من الأئمة . قال السمين : وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة والعادة تغليب المذكر على المؤنث ، لأنه لما قال : ومن آياته فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث في قوله :
خَلَقَهُنَّ .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
قيل : كان ناس يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود للّه ، فنهوا عن ذلك ، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود بالنهي عنه ، وقيل : وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة .
وهذه الآية من آيات السجود بلا خلاف ، وإنما اختلفوا في موضع السجدة فقيل : موضعها عند قوله :
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ،
لأنه متصل بالأمر ، وقيل عند قوله :
وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
لأنه تمام الكلام ، وعن ابن عباس أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة ، وكان ابن مسعود يسجد بالأولى منهما ، وعن ابن عمر أنه كان يسجد بالأولى ويسجد بالآية الأخيرة .
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
أي إن استكبر هؤلاء عن الامتثال فدعهم وشأنهم ، فإن للّه عبادا يعبدونه كالملائكة يديمون التسبيح للّه سبحانه بالليل والنهار ، أو يصلون له وهم لا يملون ولا يفترون ، يعني أن اللّه لا يعدم عابدا أبدا ، بل من خلقه من يعبده على الدوام ، والعندية عندية مكانة وتشريف ، وفي الحديث « أنا عند ظن عبدي بي » « 1 » و « أنا عند المنكسرة قلوبهم » .
وَمِنْ آياتِهِ
الدالة على قدرته ووحدانيته
أَنَّكَ
الخطاب لكل من يصلح له ، أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
تَرَى الْأَرْضَ
أي بعضها بحاسة البصر ، وبعضها بعين البصيرة ، قياسا على ما أبصرت
خاشِعَةً
يابسة لا نبات فيها ، متطامنة ، وهي أنسب بلفظ خاشعة ، والخاشعة اليابسة الجدبة الجامدة ، وقيل : الغبراء التي لا تنبت ، قال الأزهري . إذا يبست الأرض ولم تمطر ، قيل : قد خشعت والخشوع التذلل والتقاصر ، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها ، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى :
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً
[ الحج : 5 ] وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو كما قال :
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ
أي ماء المطر أو غيره
اهْتَزَّتْ
تحركت بالنبات حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه ، يقال اهتز الإنسان إذا تحرك .
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .