تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
بالإحسان ، والذنب بالعفو ، والغضب بالصبر ، والإغضاء عن الهفوات ، والاحتمال للمكروهات ، قال ابن عباس أمر المسلمين بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل : والعفو عند الإساءة ؛ فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللّه من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم وقال ابن عباس القه بالسلام وقال مجاهد وعطاء : بالتي هي أحسن يعني بالسلام إذا لقي من يعاديه ، وقيل بالمصافحة عند التلاقي . والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما ، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك ، كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك ، مثل أن يذمك فتمدحه ، أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه ، ووضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة ، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها .
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
هذه هي الفائدة الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن ، والمعنى أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار العدو كالصديق ، والبعيد عنك كالقريب منك ، وقال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب كان معاديا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فصار له وليا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبينه ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام ، حميما بالصهارة ، وقيل غير ذلك ، والأولى حمل الآية على العموم .
وَما يُلَقَّاها
قال الزجاج : أي ما يلقى هذه الفعلة وهذه الحالة وهي دفع السيئة بالحسنة
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
على كظم الغيظ ، واحتمال المكروه ، وتجرع الشدائد ، وترك الانتقام . وقال أنس : الرجل يشتمه أخوه فيقول : إن كنت صادقا غفر اللّه لي ، وإن كنت كاذبا فغفر اللّه لك .
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
في الثواب والخير ، أو من الخلق الحسن وكمال النسب ، وهذا أنسب . وقال قتادة : الحظ العظيم الجنة أي ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة ، وقيل الضمير في يلقاها عائد إلى الجنة ، وقيل راجعة إلى كلمة التوحيد ، قرأ الجمهور ؛ يلقاها من التلقية ، وقرىء تلاقاها من الملاقاة ثم أمر سبحانه بالاستعاذة من الشيطان فقال :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 36 إلى 41 ]

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 )