تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
المؤمن أجاب اللّه في دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب اللّه فيه من طاعته
وَعَمِلَ صالِحاً
في إجابته
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
لربي ، وليس الغرض منه القول فقط بل يضم إليه اعتقاد القلب فيعتقد بقلبه دين الإسلام مع التلفظ ، أي قال ذلك ابتهاجا بالإسلام وفرحا به واتخاذا له دينا ومذهبا وتفاخرا به ، قال ابن سيرين والسدي وابن زيد : هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وروي هذا أيضا عن الحسن . وقال عكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد : نزلت في المؤذنين قالت عائشة : الداعي إلى اللّه المؤذن والعمل الصالح ركعتان فيما بين الأذان والإقامة وعنها قالت : ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ، ويجاب عن هذا بأن الآية مكية والأذان إنما شرع بالمدينة والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ ، ويدخل فيها من كان سببا لنزولها دخولا أوليا ، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه اللّه وعمل عملا صالحا ، وهو تأدية ما فرضه اللّه عليه مع اجتناب ما حرمه عليه . وكان من المسلمين دينا لا من غيرهم ، فلا شيء أحسن منه ولا أوضح من طريقته ، ولا أكثر ثوابا من عمله ، قيل : وللدعوة إلى اللّه مراتب الأولى دعوة الأنبياء إلى اللّه بالمعجزات ، وبالحجج والبراهين ، وبالسيف ، وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء . المرتبة الثانية : دعوة العلماء إلى اللّه بالحجج والبراهين فقط ، والعلماء أقسام علماء باللّه وعلماء بصفات اللّه وعلماء بأحكام اللّه . المرتبة الثالثة دعوة المجاهدين إلى اللّه بالسيف والسنان ، فهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوا في دين اللّه وطاعته . المرتبة الرابعة دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضا دعاة إلى اللّه وإلى طاعته . ثم بين سبحانه الفرق بين محاسن الأعمال ومساويها فقال :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
أي لا تستوي الحسنة التي يرضى بها اللّه ويثيب عليها ، ولا السيئة التي كرهها اللّه ويعاقب عليها ، ولا وجه لتخصيص الحسنة بنوع من أنواع الطاعات وتخصيص السيئة بنوع من أنواع المعاصي ، فإن اللفظ أوسع من ذلك ، وقيل الحسنة التوحيد والسيئة الشرك وقيل الحسنة المدارة ، والسيئة الغلظة وقيل الحسنة العفو والسيئة الانتصار وقيل الحسنة العلم ، والسيئة الفحش ، وقيل غير ذلك . قال الفراء ( لا ) في
( وَلَا السَّيِّئَةُ )
زائدة ، والجملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد ، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب ، ترغيبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصبر على أذية المشركين ، ومقابلة إساءتهم بالإحسان .
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة ، أي ادفع السيئة إذا جاءتك من المسئ بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، ومنه مقابلة الإساءة