تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
النزغ شبيه النخس ، شبه به الوسوسة لأنها تبعث على الشر ، وجعل النزغ نازغا على سبيل المجاز العقلي ، كقولهم جد جده ، أو أريد : وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر ، أو لتسويله ، والمعنى : وإن صرفك الشيطان عن شيء مما شرعه اللّه لك أو عن الدفع بالتي هي أحسن
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
من شره وامض على حلمك ولا تطعه . وجملة .
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
تعليل لما قبلها ، أي السميع لكل ما يسمع ، ومنه استعاذتك ، والعليم بكل ما يعلم ومنه فعلك وأحوالك ، ومن كان كذلك فهو يعيذ من استعاذ به ، وقال هنا بزيادة هو وأل ، وفي الأعراف بدونهما ، لأن ما هنا متصل بمؤكد بالتكرار وبالحصر ، فناسب التأكيد بما ذكر ، وما في الأعراف خلي عن ذلك ، فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفة والمسند نكرة . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سليمان بن صرد قال : استب رجلان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاشتد غضب أحدهما ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، فقال الرجل : أمجنون تراني فتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
« 1 » . ثم شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة ، الدالة على كمال قدرته وقوة تصرفه للاستدلال بها على توحيده فقال :
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ
في تعاقبهما على حد معلوم ، وتناوبهما على قدر مقسوم
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
في اختصاصهما بسير مقدر ونور مقرر ، هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر ، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما ، بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها ، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته ، ثم لما بين أن ذلك من آياته نهاهم عن عبادة الشمس والقمر ، وأمرهم أن يسجدوا للّه عز وجل فقال :
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ
لأنهما مخلوقان من مخلوقاته وإن كثرت منافعهما فلا يصح أن يكون شريكين له في ربوبيته .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 44 ، 76 ، ومسلم في البر حديث 110 ، والترمذي في الدعوات باب 51 ، وأحمد في المسند 5 / 240 ، 244 .