تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
أنفسهن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأقول : تهب المرأة نفسها . فلما أنزل اللّه :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
الآية قلت : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك « 1 » . وعن أبي رزين قال : همّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن : لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك أفرض لنا من نفسك ومالك بما شئت فأنزل اللّه
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
، يقول : تعزل من تشاء فأرجى منهن نسوة ، وآوى نسوة ، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة ، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء ، وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
، فقلت لها ما كنت تقولين ؟ قالت كنت أقول إن كان ذلك إلي فإني أريد أن لا أوثر عليك أحدا « 2 » .
وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ
الابتغاء الطلب ، والعزل الإزالة ، والمعنى إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن قد عزلتهن من القسمة وتضمها إليك
فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
في ذلك ، والحاصل أن اللّه سبحانه فوض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير وعزل وإمساك ، وضم من أرجى وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ونفيا للحرج عنه ، وأصل الجناح الميل ، يقال : جنحت السفينة إذا مالت ، والمعنى لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت .
ذلِكَ
أي ما تقدم من التفويض إلى مشيئته وهو مبتدأ وخبره قوله
أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ
أي ذلك التخيير والتفويض فوضناك أقرب إلى رضائهن وأطيب لأنفسهن إذ كان من عندنا لأنهن إذا علمن أنه من اللّه قرت أعينهن ، واطمأنت نفوسهن ، وذهب التغاير وحصل الرضاء . قرىء تقر على البناء للفاعل مسندا إلى أعينهن ، وقرىء بضم التاء من أقرر وفاعله ضمير المخاطب وبنصب أعينهن على المفعولية ، وقرىء على البناء للمفعول ، وقد تقدم بيان معنى قرة العين في سورة مريم .
وَلا يَحْزَنَّ
أي لا يحصل معهن حزن بتأثيرك بعضهن دون بعض
وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ
أي بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء وكان يقسم بينهن في القسمة حتى مات ، ولم يستعمل شيئا مما أتيح له ضبطا لنفسه ، وأخذا بالأفضل غير سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي اللّه عنهما .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 7 ، ومسلم في الرضاع حديث 49 ، والنسائي في النكاح باب 1 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 7 ، وأحمد في المسند 6 / 76 .