وفرشهم ، الريح تضربهم ، ثم خرجت نحو النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن اللّه كفاه القوم ، فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبرته ، وهو مشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حز به أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون ، وأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ
الآية .
وعن ابن عباس في قوله :
إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ
، قال : كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً
قال مجاهد هي ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ، ونزعت فساطيطهم ، وهي ريح تهب من الشرق ، وكانت باردة شديدة جدا ، ومع هذا لم تتجاوزهم . ويدل على هذا ما ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس .
وعنه قال لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب فقالت انطلقي فانصري اللّه ورسوله ، فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل فغضب اللّه عليها وجعلها عقيما ، فأرسل اللّه عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم ، وقطعت أطنابهم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ، فذلك قوله :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً
الآية ، وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه ، وللشعراء تفنن بها كثير يعرفه كل من له إلمام بدواوينهم .
وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها
وهي الملائكة ، وكانوا ألفا ، ولم يقاتلوا ، وإنما ألقوا الرعب في قلوب الأحزاب . قال المفسرون : بعث اللّه عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل اللّه عليهم الرعب ، وكثر تكبيرهم في جوانب العسكر ، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه يا بني فلان هلم إليّ فإذا اجتمعوا قال لهم النجاء النجاء ، فانهزموا من غير قتال
وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
أيها المسلمون من ترتيب الحرب ، وحفر الخندق ، واستنصاركم به ، وتوكلكم عليه
بَصِيراً
وقرىء يعملون بالتحتية أي بما يعمله الكفار من العناد للّه ولرسوله والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 10 إلى 12 ]
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ( 12 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 26 ، وبدء الخلق باب 5 ، والأنبياء باب 6 ، والمغازي باب 29 ، ومسلم في الاستسقاء حديث 17 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 228 ، 324 ، 341 ، 355 ، 373 .