تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ
وقيل التقدير أثاب الصادقين ، وأعد للكافرين وقيل : المعنى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ليثيب المؤمنين ، وأعد للكافرين
عَذاباً أَلِيماً
قاله السمين ، وقيل : الكلام قد تم عند قوله عن صدقهم وجملة
وَأَعَدَّ
مستأنفة لبيان ما أعده للكفار .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
الكائنة
عَلَيْكُمْ
هذا تحقيق لما سبق من الأمر بالتقوى بحيث لا يبقى معه خوف من أحد
إِذْ
أي حين .
جاءَتْكُمْ جُنُودٌ
والمراد بها جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وغزوه إلى المدينة وهي الغزوة المسماة غزوة الخندق وكانت بعد حرب أحد بسنة وهم أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف ، وعيينة بن حصن الفزاري ومن معه من قومه غطفان ، وبنو قريظة والنضير فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف اللّه سبحانه في هذه الآيات ، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة قاله ابن إسحاق . وقال ابن وهب ، وابن القاسم ، عن مالك كانت في سنة أربع . وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها . أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل ، وابن عساكر من طرق عن حذيفة قال : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا . وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ، ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه . فجعل المنافقون يستأذنون رسول اللّه ويقولون : إن بيوتنا عورة . وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، فيتسللون . ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجلا رجلا حتى مرّ عليّ وما عليّ جنة من العدو ، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي ، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة ، قال : حذيفة ؟ فتقاصرت إلى الأرض فقلت : بلى يا رسول اللّه - كراهية أن أقوم - قال قم ، فقال : إنه كان في القوم خبر فأتني بخبر القوم ، قال : وأنا من أشد القوم فزعا وأشدهم قرا فخرجت ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته » . قال : فواللّه ما خلق اللّه فزعا ولا قرا في جوفي فما أجد منه شيئا ، فلما وليت قال يا حذيفة ، لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني ، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ، ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل ، الرحيل ، ثم دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون : يا آل عامر الرحيل ، الرحيل ، لا مقام لكم وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبرا فواللّه إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم