على مقدر يقتضيه المقام ، أي أغفلوا ولم يتبين لهم . وقرىء : يهد بالتحتية وبالنون ، وهي واضحة ، والفاعل ما دل عليه قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا
أي كثرة إهلاكنا ، وقال المبرد : إن الفاعل الهدى ، المدلول عليه ب « يهدي » أي أو لم يهد لهم الهدى
مِنْ قَبْلِهِمْ
حال من قوله :
مِنَ الْقُرُونِ
كعاد وثمود ، وقوم لوط ، ونحوهم .
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
أي والحال أنهم يمشون في مساكن المهلكين ، ويشاهدونها ، وينظرون ما فيها من العبر ، وآثار العذاب ، ولا يعتبرون بذلك .
وقيل الضمير يعود إلى المهلكين ، والمعنى أهلكناهم حال كونهم ماشين في مساكنهم ، والأول أولى ، وقيل جملة مستأنفة بيان لوجه هدايتهم ، والمعنى يمرون في أسفارهم إلى التجارة على ديارهم وبلادهم
إِنَّ فِي ذلِكَ
المذكور من كثرة إهلاكنا الأمم الخالية
لَآياتٍ
عظيمة
أَ فَلا يَسْمَعُونَ
ويتعظون بها .
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ
أي : أو لم يعلموا بسوقنا الماء إلى الأرض التي لا تنبت إلا بسوق السماء إليها ؟ وقيل هي اليابسة وأصله من الجزر ، وهو القطع ، أي التي قطع نباتها لعدم الماء ، وأزيل بالمرة ، ولا يقال للتي لا تنبت أصلا كالسباخ جرز لقوله الآتي :
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً
قال ابن عباس الجرز التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا إلا ما يأتيها من السيول وعنه قال هي أرض باليمن . وقيل : أبين .
قال القرطبي في تفسيره والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه ، وقيل أرض عدن . قال الضحاك هي الأرض العطشاء ، وقال الفراء : هي الأرض التي لا نبات فيها ، وقال الأصمعي هي الأرض التي لا تنبت شيئا . قال المبرد يبعد أن يكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام . وقيل هي مشتقة من قولهم رجل جروز ، إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله ، وكذلك ناقة جروز ، إذا كانت تأكل كل شيء تجده ، وقال مجاهد إنها أرض النيل لأن الماء إنما يأتيها في كل عام .
فَنُخْرِجُ بِهِ
أي : بالماء
زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ
أي من الزرع ، كالتبن والقصل ، والورق ، وبعض الحبوب المخصوصة بها ، ونحوها مما لا يأكله الناس
وَأَنْفُسُهُمْ
أي : يأكلون من الحبوب ، والثمار ، والأقوات الخارجة من الزرع مما يقتاتونه ، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على النبات ، ولأن أكلها منه مقدم ، لأنها تأكله قبل أن يثمر ، ويخرج سنبله .
أَ فَلا يُبْصِرُونَ
هذه النعم ويشكرون المنعم ويوحّدونه ، لكونه المتفرد بإيجاد ذلك ، وجعلت الفاصلة : يبصرون لأن الزرع مرئي ، وفيما قبله يسمعون لأن ما قبله مسموع ، أو ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ، ودفع العذر .
وَيَقُولُونَ
بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء . والقائلون هم الكفار على